وحدثني بعض إخواني عن أبي جعفر الفرغاني قال: كنا يوماً عند الجنيد فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد يتشبهون بالصوفية، ويقصرون عمّا يجب عليهم من حق الجلوس، ويعيبون من يدخل السوق، فقال الجنيد: كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل في المسجد فيأخذ بإذن بعض من هو فيه فيخرجه ويجلس مكانه، إني لأعرف رجلاً يدخل السوق وورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة، قال: فسبق، وهمّي أنه يعني نفسه، فإن كان العبد سوقيًّا فليبدأ فليتعلم علم البيع والشراء والأخذ والعطاء ومعاملة الناس في البيوع ومعرفة أبواب الربا، ليعلم ذلك قبل الوقوع فيه فيجتنب ذلك ويتّقيه، وليغدِ إلى المفتي فيسأله عن علم حاله كل يوم من وجوه معاملته، إن لم يكن قد تقدم علمه بذلك ولم يكن عالمًا به في وقت المعاملة، فليجعل بكوره إلى المفتي قبل غدوه إلى السوق، فإن لكل عمل علمًا، وللّه في كل شيء حكم، فلا يغنيك كبير علم عن علم غيره، فإن لم تفعل ذلك دخل عليك الربا والبيوع الفاسدة، وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يطوف في الأسواق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول: لا يبيع في سوقنا إلاّ من تفقه وإلاّ أكل الربا شاء أو أبى، ثم لينصرف بعد العلم فيما يدخل فيه فيما أبيح له من تجارة أو صناعة بصدق معاملة وصدق في مبايعة، ناويًا في ذلك إقامة سنّة وأمراً بمعروف، ونهياً عن منكر، وجهادًا في سبيل اللّه، لأنّ من أخذ الحق وأعطاه وعامل بصدق ونصح فهو معاون على البّر والتقوى وفي جهاد العدو والهوى سيما في زمان يكثر فيه الباطل لأنّ صلاح الدين بصلاح الدنيا وفساده بفسادها لتعلق أحدهما بالأخرى وحاجة كل واحد منهما بصاحبه.
وفي الخبر: لا يستقيم عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} الأنعام: 82، من هؤلاء؟ فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفّ فرجه وبطنه، ثم ليَنْو المتصرف في معاشه كفّ نفسه عن المسألة والاستغناء عن الناس وقطع الطمع فيهم، والتشرف إليهم، فذلك عبادة إذا نوى نزعه، ثم ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة عياله فهو له صدقة وعليه الصدق في القول والنصح في معاملة إخوانه المسلمين لأجل الدين، ويعتقد سلامة الناس منه نصحًا لهم ورحمة بهم ويعمل في ذلك ويكون أبدًا مقدمًا للدين والتقوى في كل شيء، فإن انتظمت دنياه بعد ذلك حمد اللّه وكان ذلك ربحًا ورجحانًا، وإن تكدرت لذلك دنياه وتعذّرت لأجل الدين والتقوى أحواله في أمور الدنيا كان قد أحرز دينه وربحه، وحفظ رأس ماله من تقواه، وسلم له، فهو المعول عليه والحاصل له، إلاّ أنّ من ربح من الدنيا مثل المال وخسر عشر الدين فما ربحت تجارته ولا هدى سبيله وهو عند اللّه من الخاسرين، وقال بعض السلف: أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل، وكذلك قال معاذ بن جبل: رضي اللّه عنه في وصيته أنه لا بدّ لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنه سيمّر على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاماً ويزول معك حيثما زلت.