الخيرات هي من ثمرات الإيمان، والصالحات هي مقتضى اليقين، واللعب مقتضى الشك، والسمع والبصر وصفان للمتقين، والعمى والصمم وصفان للشك، تنتظم هذه المعاني في قول اللّه تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} البقرة: 93 فدل أن الإيمان يأمر المؤمنين بالبر والتقوى وقوله تعالى مخبراً عمن أيقن فسمع وأبصر فينال العمل الصالح: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} السجدة:12 قوله تعالى في وصف اللاعبين: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} الدخان: 9، ثم ذكر حالهم لعدم اليقين فقال تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} هود: 20 لأنهم لم يكونوا موقنين، فلما جاءهم اليقين وهو المعاينة أبصروا وسمعوا فقالوا: وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فوصفهم بشدة السمع والبصر حينئذ لما أيقنوا فقال عزّ وجلّ: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} مريم: 38 أي ما أسمعهم وأبصرهم اليوم لما جاؤونا فرأوا ما عندنا وهذا للمبالغة في الوصف كما تقول: أكرم وأعظم به أي: ما أكرمه وأعظمه، فكذلك إذا أتيته اليوم وأنت موقن سمعت ما لم تسمع وأبصرت ما لم ترَ قبل ذلك ولكن شغلتك الأزواج التي خلق والأشكال والأشباه التي أظهر فتألهت إليها ووقفت معها ولو فررت منها إلى اللّه تعالى لفررت إلى خير مفر ولأواك عنده في أحسن مقر وقد أمرك بالفرار منها إليه لو قبلت ونهاك عن التأله إليها لو سمعت وبين لك النذارة لو فهمت وجعل ما خلق من الأزواج تذكرة به ولو عرفت ورادة إليه لو أنك للذكر اتبعت ومشوقة إليه لوكنت لقربه أحببت أما سمعته يقول: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الذاريات:49 أي مثلين وشكلين لكي تذكروا اللّه بها وتشتاقوا إليه منها ثم قال: {فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ} الذاريات:50 أي عنها بالزهد ثم قال: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} الذاريات:51 أي لا تؤلهوا معه إلهاً ولا تشركوا بتألهكم إليه إياها فهذا فهم المقربين عن سمعهم بشهادة أبصار قلوبهم فعندها كان استجابتهم له كما قال: إنما يستجيب الذين يسمعون وقال: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} الشورى:26. ولكن كيف يسمع من ينادي من مكان بعيد وكيف يبصر من القفل على قلبه عتيد وكيف يستجيب من لا يسمع وكيف يشهد من لا يبصر وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: حبك للشيء يعمي ويصمّ، فالهوى يعمي عن الحق والشهوة تصم عن النصح والصدق، وكذلك لو أحببته لنظرت إليه ولو نظرت إليه لعميت عمن سواه ولو أقبلت عليه لاستمعت إليه ولو سمعت لصممت عن غيره ولو أحبك لكان سمعك وبصرك وقلبك ويدك وناصرك ومؤيدك تدعوه فيجيبك وتسأله فيعطيك وتنصح له فينصح لك، كذلك جاء الخبر بذلك فشغلك به عنك وفرغك له منك فكيف تسمع عنه وتنظر إليه وتتقلب عنده وتتحرك به لا بنفسك وهواك ولا بشهوتك ودنياك فهذا وصف حبيب عن تقلب حبيب وخبر محبوب عن تثبيت محبوب فإذا تيقن العبد يقين عين لا يقين ظن وسمع بما ذكرناه من سرعة فوت الوقت وفوت دركه شغله الغم والحزن على مافات عن مثل ما سلف مما ندم عليه في مستقبل الأوقات فلم يضم إلى الفوت الأوّل فوتاً ثانياً لحزنه وندمه عليه فكيف يردفه في الحال بما يشبه ما ندم عليه من سوء الأعمال وما لا يحمد عاقبته ولا يغتبط به في المال، فمثل العبد المتيقظ في آخر غفلته مثل عبد كان عليه عمل لا بد أن يعمله في يومه ذلك إلا أنه لهي عنه لغفلة ملهية أو نومة منسية فلم يفق لعمله ذلك الذي لا بد منه إلا بعد العصر فلا يسأل عن حرصه وانكماشه وتشهيره وبداره في بقية نهاره ليدرك به ما فاته من أوّل النهار فهو يود أن وقته ذلك إلى الليل مدّ له أضعافه أو ردّ إلى أوّل النهار ليدرك ما فاته فهذا حال التائب المتيقظ من رقدته وهذا لا يستبين له إلا بعد الموت لمعاينة تقضي الأوقات ولليقين بعدم درك مافات، فهناك وقعت الندامة الكبرى وحينئذ حلت الحسرة العظمى، فالحزم عند العقلاء الموقنين هو الانكماش والتشمير فيما بقي من العمر القصير لأن الاشتغال بما فات في وقت درك مثله في المستقبل هو إضاعة ثانية لما هو آت، فحرص هذا المتيقظ واجتهاده
أن يكون له في كل وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن أعماله شيئاً فشيئاً لئلا يرى خزائنه فارغة غداً فيتحسر على فراغه منها وهذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول البقاء بحسن خدمة المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من الغفلة في القديم، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر صعباً شديداً كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق اللّه تعالى من صعوبته وإن كان الأمر سهلاً قريباً كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل مقامات. يكون له في كل وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن أعماله شيئاً فشيئاً لئلا يرى خزائنه فارغة غداً فيتحسر على فراغه منها وهذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول البقاء بحسن خدمة المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من الغفلة في القديم، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر صعباً شديداً كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق اللّه تعالى من صعوبته وإن كان الأمر سهلاً قريباً كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل مقامات.