اعلم أن العلوم تسعة: أربعة منها سنّة معروفة من الصحابة والتابعين وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف، فأما الأربعة المعروفة فعلم الإيمان وعلم القرآن وعلم السنن والآثار، وعلم الفتاوى والأحكام، وأما الخمسة المحدثة، فالنحو والعروض، وعلم المقاييس، الجدل وفي الفقه، وعلم المعقول بالنظر، وعلم علل الحديث وتطريق الطرقات فيه وتعليل الضعفاء وتضعيف النقلة للآثار فهذا العلم من المحدث إلا أنه علم لأهله فيسمعه أصحابه منهم، وقد كانوا يرون القصص بدعة وينهون عنه ويكرهون مجالسة القصّاص، وقال بعض العلماء نعم الرجل فلان لولا أنه يقصّ، وقال بعض هذه الطائفة: مثل أصحاب الحكايات في أهل المعرفة مثل القصّاص في الفقهاء، وقال آخر: مثل القصّاص في العلماء مثل أهل السواد في أهل المدن، فأما أكل الدنيا بالدين وأخذها على الصلاح وبيع العلم بالدنيا والتصنع والتزين للعموم فمن قبيح ما أحدث، وهو أظهر من أن يدل على فساده عند من عرف ظاهر العلم، وقد سمّى هؤلاء في زماننا هذا الجاهلون بالعلم علماء وجعلهم الناقصون عن الفضل فضلاء لقلة معرفتهم بطريق المتقدمين وعدم بصيرتهم بحقيقة علم الدين.
واعلم أن الكلام ينقسم عندنا سبعة أقسام: العلم منه قسم واحد، وسائر الستة لغو مطرح يلتقطه من لا يعرفه ولا يفرق بين العلم والجهل، والعرب تقول: لكل ساقطة لاقطة ولكل قائلة ناقلة، فالستة إفك وسفه وخطأ وظنّ وزخرف ووسوسة، فهذه أسماؤها عند العلماء يفصلون ذلك بما فصل اللّه تعالى لهم من بيانه واستحفظهم من كتابه وجعلهم شهداء على دينه وعباده، فالقسم السابع من الكلام هو ما عدا هذه الستة، ولم يقع عليه اسم منها مذموم، فهو علم وهو نصّ القرآن والسنة أو ما دلاّ عليه، واستنبط منهما أو وجد فيهما اسمه ومعناه من قول وفعل، والتأويل إذا لم يخرج عن الإجماع داخل في العلم والاستنباط إذا كان مستودعاً في الكتاب يشهد له المجمل ولا ينافيه النصّ فهو علم، وقد كان ابن مسعود رضي اللّه عنه يقول: أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعاً للهوى.