(باب تفضيل علم الإيمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه وبيان ما ذكرناه)
اعلم أن كلّ علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك إذا رغب فيه وحرص عليه لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل إلا علم الإيمان واليقين فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من قبل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان وحقيقة العلم والإيمان، فهو آيات اللّه تعالى وعهده عن مكاشفة قدرته وعظمته وآيات اللّه تعالى لا تكون للفاسقين وعهده لا ينال الظالمين وعظمته وقدرته لا تكون شهادة للزائغين ولا وجد للمبطلين إذ في ذلك توهين لآيات اللّه وحججه وانتقاص لبراهينه وقدرته ودخول الشك في اليقين الذي هو محجة المخلصين والذين هم بقية اللّه من عباده واشتباه الباطل بالحق الذي هو وصف أهل الصدق الذين هم أدلته عليه من أهل وداده وهذا من أدل دليل على فضل علم المعرفة على غيره قال اللّه عزّ وجلّ: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الشعراء:197، وقال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} العنكبوت:49، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} الحجر:75، وقال: {قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، البقرة:118 وقال عزّ وجل: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ، الأنعام:105 فهؤلاء العلماء باللّه تعالى الناطقون عن اللّه عزّ وجلّ جعل لهم أنصبة منه ومكاناً عنده، ولا يكون ذلك لمن ليس أهلاً له ولا حقيقاً به لأنهم آيات اللّه تعالى وبيناته وشهوده وبصائره كاشفو طريقه ومظهرو بيانه إذ يقول تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} القيامة:19، ثم قال تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ. عَلَّمَهُ البَيَانَ} الرحمن:3 - 4 بعد قوله: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} الروم:47، مع قوله تعالى: {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} الفتح:26 فنصروه بما نصرهم به وتحققوا بما حققهم منه وشهدوا له ما شهد لهم عنه فكانوا للمتقين إماماً وإلى الهداية أعلاماً.