فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 922

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)}

(فصل: في ذكر حكم المتسبب للمعاش وما يجب على التاجر من شروط العلم)

قال اللّه تعالى: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} النبأ: 11، فذكره فيما عدّد من آياته ونعمته، وقال عزّ وجلّ: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} الأعراف: 1،، فجعل المعاش نعمة طالب بالشكر عليها، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلاّ الهم بطلب المعاش، قال صلى الله عليه وسلم: أحلّ ما أكل المرء من كسب يده وكل عمل مبرور، وفي لفظ آخر: أحلّ ما أكل العبد من كسب يد الصانع إذا نصح.

وفي الخبر: التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصدّيقين والشهداء.

وقد جاء في الحديث: من طلب الدنيا حلالاً وتعفّفاً عن المسألة وسعياً على عياله وتعطّفاً على جاره لقي اللّه عزّ وجلّ ووجهه كالقمر ليلة البدر، وقد روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات غداة جالسًا مع أصحابه فنظروا إلى شاب ذي جلدة وقوة وقد بكر يسعى فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل اللّه عزّ وجلّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل اللّه، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل اللّه، وإن كان يسعى تفاخرًا وتكاثرًا فهو في سبيل الشيطان، وقال ابن مسعود: إني لأمقت الرجل أراه فارغاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة، وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: كان الصانع بيده أحبّ إليهم من التاجر، وكان التاجر أحبّ إليهم من البطالة، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحبّ إليك أم المتفرغ للعبادة؟ قال: التاجر الصدوق أحب إليّ لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده وقد خالفه الحسن البصري رضي اللّه عنه في هذا، وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: ما من موطن يأتيني فيه الموت أحبّ إليّ من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري في رحلي وقال أيوب قال لي أبو قلابة: إلزم السوق فإن الغني من العافية يعني الغني عن الناس واللّه أعلم والغني الذي يطاع اللّه تعالى به، وكان يقول بعض السلف: اتّجر وبعْ واشترِ ولو برأس المال يجعل لك من البركة مالاً يجعل لصاحب الزرع، وقال ابن محيريز وكان من عباد أهل الشام: ما من طعام أملأ به ما بين جنبي بعد غنيمة في سبيل اللّه من فيء المشركين أقيم بها حق اللّه عزّ وجلّ أحبّ إليّ من طعام تاجر صدوق، قال: وكانوا يعدون الكاسب على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه عزّ وجلّ ويرون فضله على غيره، وروي فيه أثر أنّ اللّه عز وجلّ يحبّ المؤمن المحترف، وفي خبر آخر: أنّ اللّه يحبّ العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت