قد ذكر في بعض الأخبار: أنّ للّه تعالى ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحي، ويقال: إنّ اللحية من تمام خلق الرجل وبها تميّز الرجال من النساء في ظاهر الخلق، في وصف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أنه كان كثّ اللحية، وكذلك كان أبو بكر وكان عثمان طويل اللحية دقيقها، وكان علي رضي اللّه تعالى عنه عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه، ويقال: إنّ أهل الجنة مرد إلا هارون أخا موسى عليهما السلام فإن له لحية إلى صدره تخصيصاً له وتفضيلاً، ووصف بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس قال: وددنا أنا اشترينا للأحنف اللحية بعشرين ألفاً فلم يذكر حنفه في رجله ولا عوره في عينه وذكر كراهية عدم لحيته وكان عاقلاً حليماً، وقد روينا من غريب تأويل قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} فاطر: 1، قال اللحي وفيه وجوه كثيرة، وذكر عن شريح القاضي قال: وددت لو أنّ لي لحية بعشرة آلاف، وقال بعض الأدباء في اللحية خصال نافعة منها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار، ومنها رفعه في المجالس والإقبال عليه، ومنها تقديمه على الجماعة وتعقيله وفيها وقاية للعرض؛ يعني إذا أرادوا شتمه عرضوا له بها فوقت عرضه، وقال أبو يوسف القاضي: من عظمت لحيته جلت معرفته، ففي اللحية من خفايا الهوى ودقائق آفات النفوس، ومن البدع المحدثة اثنتا عشرة خصلة بعضها أعظم من بعض وكلّها مكروهة، قد كنا أجملنا ذلك عدداً في باب آفات النفوس، فأما تفسيره فإن من ذلك خضابها بالسواد لأجل الهوى وتدليس الشيبة، وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية تشبيهاً بالصالحين والقراء من السنّة، وتبييضها بالكبريت وغيره استعجالاً لإظهار علو السنّ وستر الحداثة لأجل الرياسة والتعظيم ليشهد عند الحكام أو لينفق بذلك حديثه ويدعي بالسنّ مشاهدة من لم يره، فعل ذلك بعض المحدثين وبعض الشهود، ومن ذلك نتفها أو نتف الشيب منها تغطية للتكهل، ومنها تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة للتزين والتصنع، ومن ذلك النقصان منها والزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ من شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وذلك هو حدّ اللحية، أو ينقص من العظمين إلى نصف الخد وذلك مثله وهو نقصان من اللحية، ومن ذلك تسريحها لأجل الناس تصنّعاً أو تركها لأجل الناس شعثة مفتلة مغبرة إظهاراً للزهد أو التهاون بالقيام على النفس لأنه قد عرف بذلك، ومن ذلك النظر إلى سوادها عجباً بها وخيلاء وغرة بالشباب وفخراً؛ ومن ذلك النظر إلى بياضها تكبّراً بكبر السنّ وتطاولاً على الشبان فيحجبه نظره إليها عن النظر إلى نفسه من تعلّم العلم وتعلّم القرآن الذي لا يسعه جهله والسؤال عمّا يجهله استصغاراً لغيره من الشباب، أو حياء من شيبه، أو استنكافاً منه، فيظن بجهله أنّ كثرة الأيام التي بيّضت شعر لحيته أعطته فضلاً أو جعلت فيه علماً، ولا يعلم أنّ العقل غرائز في القلوب وأنّ العلم مواهب من علاّم الغيوب، ومن كانت غريزته الحمق وطبيعته الجهل كثرت حماقته كلما كبر وعظمت هالته إذا أسنّ، وقد روينا جميع ذلك في كثير من الناس وهذا كله محدث وهو ضاهي سنن الجسد الاثنتي عشرة في العدد، ومما جاء في جمل معاني ما ذكرناه من الكراهة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: حفوا الشوارب واعفوا اللحى، فقوله: حفوا أي اجعلوها حفافي الشفة أي حولها، لأنّ حفاف الشيء حوله، ومن ذلك قوله عزّ وجلّ: {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} الزمر: 75، وكان بعض العلماء يكره حلق الشارب حتى تظهر البشرة ويراه بدعة، وقد كان مالك بن أنس وبعض علماء المدينة يقولون: حلق الشارب مثله إنما هو الأخذ منه حتى يبدو الإطار والإطار حروف الشفة من فوق.
وفي الحديث لفظة أخرى: أحفوا الشوارب، والإحفاء هو الاستئصال والاستقصاء؛ وهو أبلغ من قوله: حفوا، ومن هذا قوله عزّ وجلّ: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ} محمد: 37 أي يستقصي عليكم، وقد كان كثير من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحفي شاربه، ونظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه، فقال: ذكرتني أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: فقلت هكذا كانوا يحفون شواربهم، فقال: نعم وأشد من هذا كالحلق، وليس الإحفاء حلقاً إلاِ أنه شبيه به، وقد روينا في هذا الحديث ثلاثة ألفاظ أخر وهو: خذوا من الشوارب فإن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من شاربه، وروي قصوا الشوارب، وجزوا الشوارب؛ فهذه الثلاثة بمعنى واحد وهو يقتضي أخذ بعضه وترك البعض ليست كالإحفاء، وقال المغيرة بن شعبة: نظر إليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد عفا شاربي فقال تعال: فقصه لي على سواك فهذا نص من فعله في أخذ الشارب، وقد رويت لفظة غريبة طروا الشوارب طراً؛ والطرّ أن يؤخذ من فوق الشارب ومن تحته يستدق، والطرّ الدقيق المستطيل المستخرج من شيء أكثر منه حتى يحمل على وصف دونه أو أصغر منه؛ ومن هذا سميت الطرة كأنها مستخرجة من شيء كثير مجعولة على وصف لطيف، وكان بعض السلف يترك سباليه وهما طرفا الشارب ويحفي وسط شاربه، وروي هذا عن عمر وغيره، وكذلك رأيت أبا الحسن بن سالم رحمه اللّه تعالى يفعل فأما قوله: وأعفوا اللحى يعني كثروها، ومن هذا قول اللّه عزّ وجلّ {حَتَّى عَفَوْاْ} الأعراف: 95، أي كثروا.
وفي الخبر أنّ اليهود يعفون شواربهم ويقصون لحاهم، فخالفوهم وردّ عمر بن الخطاب وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة رجل كان ينتف لحيته ونتف الفينكين بدعة؛ وهما جنبتا العنفقة، شهد رجل عند عمر بن عبد العزيز بشهادة وكان ينتف فينكيه فردّ شهادته.
وورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: النهي عن نتف الشيب وقال: هو نور المؤمن ونهى عليه السلام عن الخضاب بالسواد قال: هو خضاب أهل النار، وفي لفظ آخر: الخضاب بالسواد خضاب الكفّار، وأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يغير شيب أبيه، وقال: جنبه السواد وقال: هو خضاب أهل النار، وتزوج رجل على عهد عمر رضي اللّه عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته فرفعه أهل المرأة إلى عمر فردّ نكاحه وأوجعه ضرباً، وقال: غررت القوم بالشباب ودلست عليهم شيبتك، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: الصفرة خضاب المسلمين، والحمرة خضاب المؤمنين، وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة وبالخلوق والكتم للصفرة، ويقال: أوّل من خضب بالسواد فرعون لعنه اللّه، وقال سري بن المغلس السقطي: في اللحية شركان: تسريحها لأجل الناس وتركها متفتلة لإظهار الزهد، وقال أيضاً لو دخل عليّ داخل فمسحت لحيتي لأجله ظننت أني مشرك، وعن كعب وأبي الجلد وصفا قوماً يكونون في آخر الزمان يقصون لحاهم كذنب الحمامة ويعرقفون نعالهم كالمناجل أولئك لا آخلاق لهم، وذكر أيضاً عن جماعة أنّ هذا من أشراط الساعة، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة، وروي أبو المهزم عن أبي هريرة أنّ أصحاب الدجال عليهم السيجان شواربهم كالصياصي ونعالهم مخرطة؛ يعني شواربهم ملس تلوح، وأصل الصياصي القرون وهو جمع صيصة ومنه صيصة الديك الظفر الثاني الأملس مؤخر رجله كأنه عظم، وقوله عليهم السيجان يعني الطيالسة وهو جمع ساج، وقوله: نعالهم مخرطة أي لها أعناق طوال معرقفة كالخراطيم وهي أكمام الأباريق، وكان ابن عمر يقول للحلاق أبلغ العظمين فإنهما منتهى اللحية؛ يعني حدّها، ولذلك سميت لحية لأن حدّها للحي فالزيادة على ذلك الحد والنقصان منه محدث.