فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 922

{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31)}

(فصل: في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال وتوبق العمال وتفصيل ذلك ومنازل أهلها فيها ومسألة محاسبة الكفار)

قال اللّه تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} النساء: 31، فاشترط لتكفير الصغائر من السيئات اجتناب الكبائر الموبقات، وقال صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهن لمن اجتنب الكبائر، وفي لفظ آخر: كفّارات لما بينهن إلاّ الكبائر، فاستثنى من كفّارات الذنوب الكبائر، فاختلف العلماء من الصحابة والتابعين في الكبائر من أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة فما فوق ذلك، فكان ابن مسعود يقول: هنّ أربع، وكان ابن عمر يقول: الكبائر سبع، وقال عبد اللّه بن عمر وهنّ تسع، وكان ابن عباس إذا بلغه قول ابن عمر إنّ الكبائر سبع يقول: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع، وقال مرة: كل ما نهى اللّه تعالى عنه فهو من الكبائر، وقال هو وغيره: كل ما توعد اللّه تعالى عليه بالنار فهو من الكبائر، وقال بعض السلف: كلما أوجب الحد في الدنيا فهو كبيرة، والصغائر عندهم من اللمم وهو ما لا حدّ فيه وما لم يتهدد بالنار عليه، فقد روي هذا عن أبي هريرة وغيره، وكان عبد الرزاق يقول: الكبائر إحدى عشرة وهذا أكثر ما قيل في جملة عددها مجملاً، وقيل: إنها مبهمة لا يعرف حقيقة عددها كإبهام ليلة القدر وساعة يوم الجمعة والصلاة الوسطى ليكون الناس على خوف ورجاء فلا يقطعون بشيء ولا يسكنون إلى شيء، وقد قال ابن مسعود فيها قولاً حسناً من طريق الاستنباط، وقد سئل عن الكبائر فقال: اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها عند قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} النساء: 31، فكل ما نهى اللّه تعالى عنه من أول السورة إلى ها هنا فهو من الكبائر، فأشبه هذا استدلال قول ابن عباس في استنباط ليلة القدر أنها ليلة سبع وعشرين، أنه عد كلمات سورة القدر حتى انتهى إلى قوله هي فكان سبعاً وعشرين كلمة، واللّه أعلم بحقيقة هذين القولين والذي عندي في جملة ذلك مجتمعاً من المتفرق سبع عشرة تفصيلها: أربعة من أعمال القلوب وهنّ: الشرك باللّه تعالى والإصرار على معصية اللّه تعالى والقنوط من رحمة اللّه تعالى والأمن من مكر اللّه تعالى، وأربعة في اللسان وهنّ شهادة الزور وقذف المحصن وهو الحرّ البالغ المسلم واليمين الغموس، وهي التي تبطل بها حقّاً وتحقُّ بها باطلاً، وقيل: هي التي يقطع بها مال مسلم ظلماً ولو سواكاً من أراك، وسميت غموساً لأنها تغمسه في غضب اللّه تعالى، وقيل: لأنها تغمس صاحبها في النار، والسحر وهو ما كان من كلام أو فعل يقلب الأعيان أو يغير الإنسان وينقل المعاني عن موضوعات خلقها، والسحرة هم النفاثات في العقد الذين أمر اللّه تعالى بالإستعاذة منهم، وثلاثة في البطن وهي: شرب الخمر، والسكر من الأشربة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا وهو يعلم، واثنتان في الفرج: وهما الزنا، وأن يعمل قوم عمل لوط في الادبار واثنتان في اليدين وهما: القتل والسرقة، وواحدة في الرجلين وهي الفرار من الزحف الواحد من اثنين، غير متحرف إلى الأمام، ولا متحيزاً إلى فئة، ولا معتقد الكرة، وواحدة في جميع الجسد هي: عقوق الوالدين وتفسير العقوق جملة أن يقسما عليه في حق فلا يبرّ قسمهما، وأن يسألاه في حاجة فلا يعطيهما، وأن يأمناه فيخونهما، وأن يجوعا فيشبع ولا تطعمهما، وأن يستبّاه فيضربهما، وذكر وهب بن منبه اليماني: أصل البرّ بالوالدين في التوراة أن تقي مالهما بمالك وتؤخر مالهما وتطعمها من مالك، وأصل العقوق أن تقي مالك بمالهما وتوفر مالك وتأكل مالهما، وفي حديث أبي هريرة: الصلاة إلى الصلاة كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة إلاّ من ثلاثة: إشراك باللّه، وترك السنّة، ونكث الصفقة، أن تبايع الرجل ثم تخرج عليه بالسيف تقاتله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت