فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 922

وللمحب سبع مخاوف ليست بشيء من أهل المقامات، بعضها أشدّ من بعض: أولها خوف الإعراض، وأشد منه خوف الحجاب، وأعظم من هذا خوف البعد، وهذا المعنى في سورة هود هو الذي شيّب الحبيب إذ سمع المحبوب يقول: (ألا بعداً لثمود) (ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود) فذكر البعد في البعد، يشيب أهل القرب في القرب، ثم خوف السلب للمريد والإيقاف مع التحديد، وهذا يكون للخصوص في الإظهار والاختيار منهم، فيسلبونه حقيقة ذلك عقوبة لهم، وقد يكون عند الدعوى للمحبة ووصف النفس لحقيقتها، وينقصون معه ولا يقنطون لذلك وهو لطيف من المكر الخفي، ثم خوف الفوت الذي لا درك له، سمع إبراهيم بن أدهم وهو أحد المحبين قائلاً يقول في سياحته نظماً:

كل شيء لك مغفور ... سوى الإعراض عني

قد وهبنا منك ما فا ... ت بقي ما فات مني

فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوماً وليلة، وهذا في قصة طويلة كانت له بعد مقامات أقيم نقل عنها إلى هذا المكان، حتى قال في آخر ذلك: فسمعت النداء من الجب: يا إبراهيم كن عبداً قال: فكنت عبداً، فاسترحت، معناه لا يملكك إلا واحد تكون عبداً له حرًّا مما سواه، ولا تملك شيئاً فإنّ الأشياء في خزانة مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالك، وتأسرك بمقدار ما ملكتها، وقد ضرب اللّه مثلاً بينه وبين خلقه أنّ رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون علىه من أهل ومال وشهوات، وآخر مسالماً خالصاً لواحد، إنهما لا يستويان في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الزمر:29، أي الأكثر ليسوا علماء، هكذا الواحد وأشد من الفوت خوف السلو وهذا أخوف ما يخافون، لأن حبَّا له كان به لا بهم وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها، فكيف يشكره عليها ولا يقوم لها شيء؟ فكذلك سلوهم عنه يكون به كما حبهم له به، فيدخل عليهم السلو عنه من حيث لا يشعرون، من مكان ما دخل عليهم الحبّ له من حيث لا يعلمو، فتجد السلو به كما وجدت الحبّ له، فتكون به قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت، لأنه يدرجك في ذلك إدراجاً بلطائف الحكمة، كما أنك أحببته وأنت لا تدري لأنه أشهدك وصفه باطلاع القدرة عن جنان الرحمة، فوجدت نفسك محبًّا له، كذلك ترجع المحبة كما جاءت تحجبك عنه عن وصف المكر والجبرية، فتجد قلبك سالياً عنه بلا حول منه ولا قوّة ولا اجتلاب ولا حيلة، وهذا لا يصفه إلا عارف بدقيق بلائه، ولا يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه فإذا سلوت عنه به كان ذلك دليلاً منه أنه قد رفضك وأطرحك كما أنت إذا كنت تحبه إنما أحببته به، وهذا هو تحقيق المكر السريع بسرعة تقليب القدرة لقلوب الذي تحقق بالمكور، وهو درك الشقاء الذي أدرك المغرور بما لا يدركه الطرف لسرعته، ولا يحول في الوهم لخفيته، كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت