اعلم يقيناً أن اللّه تعالى لو جعل الخلائق كلّهم من أهل السماوات والأرضين على علم أعلمهم به، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده، ثم زاد كلّ واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علماً وحكمة وعقلاً، ثم كشف لهم العواقب وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النَّعم، وعرّفهم دقائق العقوبات وأوقفهم على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة، ثم قال لهم: دبّروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير اللّه تعالى من الخير والشر والنفع والضرّ جناح بعوضة، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويقلب فيه، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف والمعتاد من الأمور، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل العقول عليه، ثم غيّب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى المثاوب، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون، ويقال: أصغر ماخلق اللّه من الحيوان والموات البعوضة والخردلة، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد آخر من الهدى، والبيان لو تمنّى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم، فكوّنت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن اللّه في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم، خير لهم من كون أمانيهم، وأفضل لهم عند اللّه من قبل إن اللّه، أحكم الحاكمين، وقال تعالى موبخاً للإنسان مجهلاً للتمني لقلة الإيقان: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى} {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولَى} النجم:24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} المؤمنون:71 فالمتوكّل محبّ للّه تعالى مسرور بربّه فرح له بملكه، بأنّ له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء، والعبد عاجز لا يقدر على شيء، فهذا أوّل مقام في المحبة، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سرّ ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير، وهو سرّ القدر ولطائف المقدّر في الآخرة عند المعاينة، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض، وقد أطلع اللّه على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى، ففي كلّ واحد منهما نعمة، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة، ولكن قد خلق اللّه العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف، وليس يعرفون من سرّ قدره إلا بمعيار ما عرف، وقال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} الحجر:21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده، وقال أبو سليمان الداراني: إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعماً آخر، وقال بعض العارفين: إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق، وقال بعضهم: لا ترى العجب حتى ترى عجباً فإن لم ترَ عجباً رأيت العجب.