فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 922

{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ...(273)}

(فصل: في ذكر فضائل الفقر وفرائضه ونعت عموم الفقراء وخصوصهم، وتفصيل قبول العطاء ورده وطريقة السلف فيه)

قال اللّه الكبير المتعال: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} الحشر: 8، وقال تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ} البقرة: 273،

فقدّم وصف أوليائه بالفقر على مدحهم بالهجرة والحصر، واللّه تعالى لا يصف من يحبّ إلاّ بما يحبّ، فلولا أنّ الفقر أحبّ الأوصاف إليه ما مدح به أحباءه وشرّفهم به، وأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالفقر وأخبر بفضله في غير حديث؛ منها حديث إسماعيل بن عياش عن عبد اللّه بن دينار عن ابن عمران عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: أي الناس خير؟ فقالوا: موسر من المال يعطي حق اللّه عزّ وجلّ في نفسه وماله، فقال: نعم الرجل هذا وليس به، قالوا: من خير الناس يا رسول اللّه؟ قال: فقير يعطي جهده؛ ومنها حديث بلال أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له: إلقَ اللّه عزّ وجلّ فقيرًا ولا تلقه غنيًا، وفي الحديث الذي روي عن ابن الأعرابي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لا أفضل من الفقير إذا كان راضيًا، وفي الحديث الآخر: أنّ اللّه تبارك وتعالى يحبّ الفقير المتعفّف أبا العيال.

وفي الخبرين المشهورين: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، والحديث الآخر: اللّهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين؛ فهذا منه صلى الله عليه وسلم تفضيل الفقراء وإكرام لهم وتنبيه وحثّ على فضل الفقر، وروينا عنه صلى الله عليه وسلم: خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها تضجيعًا في الجنة ضعفاؤها.

وروينا في خبر إسماعيل النبي عليه السلام المفسّر لخبر موسى عليه السلام: أنّ إسماعيل قال: يارب أين أطلبك؟ فقال اللّه عزّ وجلّ: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، قال: ومن هم؟ فقال تعالى: الفقراء الصادقون، وقال أبو سليمان الدارني: الأعمال كلها في الخزائن مطروحة إلاّ شيئين، فإنه مخزون مختوم عليه لا يعطيه إلاّ من طبعه بطابع الشهداء، الفقر مع المعرفة، وكان يقول: تنفّس الفقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غنيّ عمره كله، وقد كان بشر يقول: مثل الغني المتعبّد مثل روضة على مزبلة، ومثل العبادة على الفقير مثل عقد جوهر في جيد الحسناء، وقال: العبادة لا تليق بالأغنياء، وكان يقول: التقوى لا تحسن إلاّ في فقر، وقال له رجل فقير: يا أبا نصر ادع اللّه عزّ وجلّ لي فقد أضرّ بي الفقر والعيال، فقال له بشر: إذا قال لك عيالك: ليس عندنا دقيق ولا خبز فادع اللّه تبارك وتعالى أنت في ذلك الوقت، فإن دعاءك أفضل من دعائي، وقال بعض السلف: أي أهل المعرفة باللّه عزّ وجلّ أنْ يقبلوا هذا العلم وكرهوا أن يسمعوه من الأغنياء وزعموا أنه لا يليق بهم، وقد كان بعض الفقراء يقول: هذا العلم يعني علم المعرفة عوضه اللّه سبحانه وتعالى الفقراء بدلًا من الدنيا لا يظهره إلا هم ولا يوجد إلاّ عندهم، روحهم اللّه عزّ وجلّ به في الدنيا وجعله عوضًا لهم مما تركوه له اليوم، فإذا كان غدًا فهم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين وهو المزيد، وقد روينا في تفسير قوله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} الرعد: 23 قال: الفقر في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت