وما لا ينقص المتوكل ولا ينقص المتوكل على اللّه سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا ومزيد الآخرة، إذ لم يقصد غير مطلوب، وكان مفوضاً إلى اللّه الأمور، ولكن يحتاج إلى معرفة الإجابة؛ فقد يكون المنع إجابة وقرباً إذا كان العطاء شغلاً عنه، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد، وقد يكون فيما يكره مما يعلم اللّه سبحانه حسن عاقبته، لا فيما يعقل العبد عاجل منفعته، فعليه التسليم لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم، فإن سأل تكاثراً من الدنيا، أو مالاً يحتاج إليه، وما ليس فيه صلاح قلبه، ولا قربة إلى ربّه، أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد؛ وإن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية ورضي بجميع التصرف، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو حال المقربين، ولا يقدح في التوكل تشرّف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفاً ذا فاقة، ورزقه معلوم لا بدّ منه، والمعلوم مقسوم فتشرّفه إلى القسم تشرّف منه إلى القاسم، ومن تشرّف إلى مولاه شرّفه وتولاه، ولكن إن تشرّف إلى الزيادة، وخرج من القناعة، وطلب العادة، وأراد الشيء قبل وقته، أو كره تأخره عنه إلى وقت مقدوره، فإنّ هذا يقدح في توكله وينقص من زهده، ولو كان الشرف إلى الرزق منها والتطلع إلى الرزق مجملاً ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من تعالج من علله بالدواء، لأن في ذلك تشرّفاً إلى الرزق وتطلعاً إلى البرء، فجاء من ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح، وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد، فلهم منها مقامات، ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة، لأنّه قد شوّق إلى ذلك وندب إليه، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة الصدّيقين من المتوكلين، وقد يكون مزيداً على قدر حاله، إلاّ أنه لا يدخله في إخلاص المحبين، ولايرفعه في درجات المقربين، ولا يصح التوكل إلاّ بزهده في الدنيا، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام، وأول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحيّ الذي لا يموت، وأعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام، وهو إطراح النفس ونسيانها شغلاً منه عنها بنفسها وحبّاً له، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك، واستسلمت إليه فسلمك، فإنه يتجلّى لك بوصف يلزمك حكماً، يضطرك الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك وعليك ماشاء من القسم، فأعلى توكلك عليه حياءً منه، وإشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه: فإمّا أن يقتضيك تصبراً له، وإما أن يقتضيك تفويضاً إليه، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليماً له أو استراحة من تدبيرك لنفسك، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك، ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء، فقد قيل: حسبه أي التوكل، وقد قيل: التوكل حسبه من سائر المقامات، وقيل: اللّه حسبه أي يكفيه ممن سواه، قال تعالى معرفاً للكافة مسلياً للجماعة:
{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق:3؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلاّ أنّ من توكل عليه يكون اللّه حسبه أي يكفيه أيضاً مهم الآخرة والدنيا، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاماً في اليقين على تقواه، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيّئاته، ويلقي عليه رضاه ومحباته، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة، ومن حيث لا يعلم لأنّ العبد موجود، فجرى عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين، واللّه هو الغني الحميد المبدئ المعيد، وقيل لأبي محمد سهل: متى يصح للعبد التوكل؟ فقال: إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون، فيترك التدبير وللّه عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود شكور.
كل؟ فقال: إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون، فيترك التدبير وللّه عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود شكور.