فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 922

وليعلم العبد أن اللّه عزّ وجلّ يكون له بعد بعثه من قبره كما كان العبد له بعد بعثه من نومه، فلينظر إلى أي حال يبعث، وإن كان العبد لنظر مولاه مكرماً ولشأنه معظماً ولحرماته معظماً وإلى محبوبه ومرضاته ومسرته من النعيم المقيم مسرعاً كان اللّه تعالى في آخرته لوجهه مكرماً، وان كان العبد في حق مولاه متهاوناً وبأمره مستخفاً ولشعائره مستصغراً كان اللّه تعالى له مهيناً وبشأنه متهاوناً، قال اللّه تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} فاطر:19، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء، ثم قال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} الأعراف:3، موبخاً لهم بذلك، وقال في مثله: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} القلم:35، ثم قال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} القلم:36، ذاماً عائباً لحكمهم؟ ثم أخبر بحكمه فيهم فقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} الجاثية:12، هكذا تقدير الكلام وهو من المقدم والمؤخر، فرفع حسناتهم وأخبر بسوء حكمهم ثم ذكر حكمهم عنده في المحيا والممات فقال: {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} الجاثية:21، أي كما كانوا في الحياة كذلك يكونون بعد الوفاة، ثم عقب ذلك بذكر عدله في خلقه فقال: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} الجاثية:22 فكان هذا فصل الخطاب وتذكار أولي الألباب، وقال في معناه وأمر بتدبر كلامه وأمر بتذكر العقلاء عن خطابه فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الأَلْبَابِ} ص:29، هل يتدبرون فيجدون أنا نجعل المفسدين كالمصلحين أو نجعل المتقين كالفاسقين وهو قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ص:28، فالتدبر التفهم، والتذكر التقوى والعمل، وروينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم منزلته عند اللّه عزّ وجلّ فلينظر كيف منزلة اللّه تعالى من قلبه فإن اللّه عزّ وجلّ ينزل العبد عنده بحيث نزله العبد من نفسه، فإذا نام العبد على طهارة وذكر وعن مثل هذه المشاهدة والفكر فإن مضطجعه يكون مسجداً وإنه يكتب مصلياً حتى يستيقظ ويدخل في شعاره ملك فإن تحرك في نومه فذكر اللّه عزّ وجلّ دعا له الملك واستغفر له.

وفي الخبر: إذا نام العبد على طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة، وإن لم ينم على طهارة قصرت روحه عن البلوغ فتلك المنامات أضغاث أحلام لا تصدق، فإن غلبه النوم حتى يصبح حسب له قيام ليلة وكان نومه عليه صدقة ومن كان هذا وصفه في منامه يسبق كثيراً من العباد في قيامهم عن شهود غفلة وسهو. وقد روينا في خبر نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت