فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 922

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)}

ألم تسمع قول اللّه تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} البقرة:31 فهذا هو المجتبى للتعليم الآخذ نصيبه من اللّه عزّ وجلّ بتفهيم المصطفى لمكان التخصيص، ثم قال: {يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} البقرة: 33، فلما أنبأهم بأسمائهم ترك آدم ورد إليه وذكر نفسه بالعلم منه بعد أن دلّ بالواسطة عليه، فقال: (ألم أقل لكم إني أعلم) ولم يقل إن آدم يعلم فأخذ آدم نصيبه من رازقه بقلبه لمكان رتبته وأخذت الملائكة أنصبتها من اللّه عزّ وجلّ من نصيب آدم بواسطته واللّه هو الرزاق ذو القوة المتين كما هو الخلاّق، هل من خالق غير اللّه يرزقكم؟ والعبيد يأخذون أنصبتهم بأقسامهم من حيث هي طرق وسبب لهم، وهذا حينئذ أول المحاسبة عن مشاهدة حسيب، والتحقيق بالمحاسبة هو أول المراقبة عن رؤية رقيب، والمقام من المراقبة هو حال من أحوال الموقنين، وعلم اليقين هو آخر علم الإيمان وآخر نصيب العبد من علم اليقين أعني نهايته أول عين اليقين وهو شهادة المعرفة، والمعرفة على هذا الوصف أول المشاهدة؛ وهذا هو مقام المقربين أعني بمشاهدة وصف قريب يحيط ببعد النفس فيستولي عليها فيغيب بعدها في قربه وينتبه عقله تحت ظنه وتنطوي حكمته في قدرته كمحو نور القمر في ضياء الشمس واللّه غالب على أمره وعلم معاني الأسماء والصفات وتعريف الأخلاق وباطن أحكام الذات يكون في مقامات القرب بمرآة نور الوجه فيرفع نور حكم المكان ويشهد كأن رفع كون المرآة ويشهد الوجه بنورها وتغيب المرآة عن كونها فيكون العبد قائمًا بقصر قيوميته فيصير العبد شبه ميتة مشاهدًا بحيطة قربه لا بكونه كما يشهد الوجه بنور المرآة لا بجسمها ولا يكون هذا إلا بعد معاينة وصف وبعد حسن المراقبة في جميع المعاملة وحسن الأدب في محاضرة الرب بتنفيذ خواطر الخبر وسرعة نفي خواطر السر حتى لا يبقى شيء منها وهذا حال المشاهدة والقرب، وذلك يخرج العبد إلى صفاء القلب بعلم اليقين، وصفاء القلب يرفعه مقامات في مشاهدة العين حتى لا يخطر بقلبه إلا خاطر حق فإن عصاه عصى الحق وفي ترك هذا والغض عنه كدر القلب، وفي كدره ظلمته وذلك مقامات في القسوة وهي أول البعد وبلغني أن ما من فعلة وإن صغرت إلا وينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأول لِمَ والثاني كيف، والثالث لمن، فمعنى لِمَ أي لِمَ فعلت؟ وهذا موضع الابتلاء عن وصف الربوبية بحكم العبودية أي أكان عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك بهواك، فإن سلم من هذا الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر به سئل عن ا لديوان الثاني، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ وهو مكان المطالبة بالعلم وهو البلاء الثاني أي قد عملته بأن كان عليك عمله فكيف عملته أبعلم أم بجهل؟ فإن اللّه تعالى لا يقبل عملًا إلا من طريقته وطريقة العلم، فإن سلم من هذا نشر عليه الديوان الثالث فقيل لمن؟ وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية وهو البلاء الثالث وهم بغية اللّه عزّ وجلّ من خلقه الذين قال في حقهم: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} الحجر:40 وهذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ما سواه وهي لا إله إلا اللّه وليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد عملته بعلم فلمن عملته لوجه اللّه عزّ وجلّ خالصًا فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتناول عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته لنفسك بسهولة وغفلتك فقد سقط أجرك وحبط عملك لذهابك عن القصد وعدم النية في الفعل فجميع ماأردت به سواه فقد تعرضت للمقت واستوجبت العقاب بترك ما عليك وجهل ما لمولاك إذ كنت عبدًا لي تتولى غيري وإذا أنت تأكل رزقي وتعمل لسواي وإذا كان الدين قد جعلته لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا للّه الدين الخالص ويلك ما قبلت أمري إذ قلت وما أمروا إلا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين حنفاء ويقول له: ويلك أما سمعتني أقول (إن الذين تعبدون من دون اللّه لا يملكون لكم رزقًا فابتغوا عند اللّه الرزق واعبدوه) .

فهذه أمثال القرآن يشهد منها العلماء أمثالهم وهي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها العارفون أذكارهم فيكون توبيخ اللّه عزّ وحلّ للغافلين بعزائم كلامه وغليظ خطابه أشد عليهم وأوجع لهم من أليم عقابه، وذلك أن اللّه تعالى استخلص الدين لنفسه ولم يشرك فيه أحدًا من خلقه فقال: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت