جميع ما ذكرناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة وعن التابعين وتابعيهم رسمناه حفظاً وسقناه على المعنى إلا يسيراً اتفق وجوده في أيدينا وقرب تناوله منا من أخبار فيها طول فإنا نقلناها من مواضعها وما بعد علينا فلم نفقه ولم نشغل همتنا به فما كان فيه من صواب وبيان وتثبت فمن اللّه تعالى بحسن توفيقه وقوّة تأييده، وما كان فيه من خطإ وعجلة وهوى فمنا بالسهو والغفلة ومن عمل الشيطان بالعجلة والنسيان، كذلك روينا عن ابن مسعود رضي اللّه عنه في قضيته التي قضاها برأيه وقولنا لرأيه تبع.
وروينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: البيان والتثبت من الله عزّ وجلّ والعجلة والنسيان من الشيطان يعني بواسطته وبقلة التوفيق، ولم أعتبر ألفاظ الأخبار في أكثره ولم آل عن سياق المعنى في كله إذ ليس تحرير الألفاظ عندي واجباً إذا أتيت بالمعنى بعد أن تكون عالماً بتصريف الكلام وبتفاوت وجوه المعاني مجتنباً لما يكون به تحريف أو إحالة بين اللفظين وقد رخص في سوق الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة منهم: علي وابن عباس وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو هريرة ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم منهم: إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة رضي اللّه عنهم نقلنا ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ، وقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة المعنى واحد والألفاظ مختلفة، ولذلك اختلف الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم من يرويه تاماً ومنهم من يجيء به مختصراً ومنهم من يرويه على المعنى وبعضهم يغاير بين اللفظتين ويراه واسعاً إذا لم يخالف المعنى ولم يحل البغية وكلهم لا يتعمد الكذب وجميعهم يقصد الصدق ومعنى ما سمع ولا يحيل البغية فلذلك وسعهم وكانوا يقولون: إنما الكذب على من تعمّده.