وقد قال اللّه تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: 172، قيل: من الحلال كما قال: {ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً} المؤمنون: 51، أي من الحلال، فأمر بأكل الحلال قبل العمل الصالح.
وهكذا قال بعض العلماء: زكاة الأعمال بأكل الحلال، فكلما كانت الطعمة أحل كان العمل أزكى وأنفع، وكان بشر بن الحارث إذا ذكر أحمد بن حنبل يقول: قد فضل عليّ بثلاث؛ صبره على العيال وأنا أضيق عن ذلك، وهو يطلب الحلال لنفسه ولغيره، وكان يقول: ما أترك الطيبات زهداً فيها وإنما أتركها لأنه لا يصفو لي درهمها، ولو صح لي الدرهم الذي اشتريها به لأكلتها.
وقد قال علماء الظاهر: إن الحلال من عشرة أوجه ومنهم من قال: يوجد من سبعة أشياء وأصل ذلك كله يرجع إلى ثلاثة أشياء: تجارة بصدق، وصناعة بنصح، وعطية بحكم.
ثم تنقسم العطية أربعة أقسام؛ فيكون فيئاً أو ميراثاً أو هبة عن طيب نفس، أو صدقة مع وجود فقر.
ومدار ذلك كله وقطبه أنّ الحلال مشتق من اسمه بمعنيين:
ما انحلّ الظلم عنه، أو حل العلم فيه، فما انحل الظلم عنه انحلت المطالبة عنه، وما حل في العلم حلت الإباحة والأمر به.
والحلال عند العلماء ما لم يعصَ اللّه عزّ وجلّ في أخذه.
قال بعض علماء الباطن: الحلال ما لم يعصَ اللّه عزّ وجلّ في أوله ولم ينسَ في آخره.
وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه، وكان سهل إذا سئل عن الحلال يقول: هو العلم، وقال: لو فتح العبد فمه إلى السماء وشرب القطر ثم تقوى بذلك على معصية أو لم يَطعْ اللّه عزّ وجلّ بتلك القوة لم يكن ذلك حلالاً.
وقال طائفة من أهل العلم: إنّ المتصنع للناس والمتزين لهم يأكل حراماً، لأنه لم ينصح مولاه في عمله، وقال بعض الموحدين: لا يكون حلالاً حتى لا يشهد فيه سوى اللّه تعالى، وإنّ من أشرك في رزق اللّه العباد فذلك شبهة وإنْ حل من طريق الأحكام، واحتجوا بقول عيسى عليه السلام: يأكلون رزقه ويشركون فيه خلقه.