فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 922

وتفصيل ذلك ولا ينقص التداوي أيضاً توكل العبد لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وأخبر عن حكمة اللّه تعالى فيه فقال صلى الله عليه وسلم: ما من داء إلاّ وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلاّ السأم يعني الموت، وقال عليه الصلاة والسلام تداووا عباد اللّه، وسئل عن الدواء والرقي، هل يرد من قدر؟ فقال: هي من قدر اللّه.

وفي الخبر المشهور: ما مررت بملأ من الملائكة إلاّ قالوا: أمُرْ أمتك بالحجامة، وفي الحديث أنّه أمر بها فقال: احتجموا السبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، ولا يبيغ بكم الدم فيقتلكم، وفي ذكر تبيغ الدم دليل على توقيت هذا العدد من الأيام للحجامة، إلاّ أنّه أريد به هذه الأيام من الشهر، وأحسبه لأهل الحجاز خاصة لشدة حرّ البلد، كقول عمر رضي اللّه عنه في الماء المشمس أنه يورث البرص، سمعت أن ذلك في أرض الحجاز خاصة، وكان من سيرة السلف أن يحتجموا في كل شهر مرة إلى أن يجاوز الرجل الأربعين وكانوا يستحبون الحجامة في آخر الشهر، وقد يروى في خبر منقطع: من احتجم يوم الثلاِثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة، وقد روينا من طريق أهل البيت أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ويشرب دواء كل سنة، والتداوي رخصة وسعة، وتركه ضيق وعزيمة، واللّه يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج:78. أي ضيق، وربما كان المتداوي فاضلاً في ذلك لمعنيين: أحدهما أن ينوي اتباع السنة، والأخذ برخصة اللّه، وقبول ما جاءت به الحنيفية السمحة، وقد أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غير واحد من الصحابة بالتداوي والحمية، وقطع لبعضهم عرقاً، وكوى آخر، وقال لعلي رضي اللّه عنه، وكان رمد العين: لا تأكل من هذا يعني الرطب، وكل من هذا فإنه أوفق لك، يعني سلقاً قد طبخ بدقيق أو شعير، وقد تداوى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غير حديث من العقرب وغيرها، وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي صدع رأسه فكان يغلفه بالحناء.

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي أحبّ إلى اللّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: في المؤمنين من هو أشدّ في اللّه عزّ وجلّ من الحجارة، وفيهم من هو ألين من اللبن، وقال في وصف الأقوياء: مثل المؤمن كمثل النخلة لايسقط ورقها، وقال اللّه تعالى في معنى ذلك: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ} إبراهيم:24 وقال صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن كمثل السنبلة تفيئها الرياح يميناً وشمالاً، وقال عليه السلام في وصفة المؤمن المطعم مثل المؤمن؛ كمثل النخلة أكلت طيباً ووضعت طيباً، وقال في وصف المستطعم: مثل المؤمن كمثل النملة تجمع في صيفها لشتائها، فأوصاف المؤمنين متفاوتة في الضعف والقوّة، وفي الجبن والشجاعة، وفي الصبر والجزع فشتان بين من شبه في القوّة والعلو بالنخلة؛ قلبه ثابت، وهمه في السماء، يطعم جناه ولا يدّخر، إلى من شبه بالنملة في الضعف والذي يستطعم ويحتكر، وقد فضل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قوماً ومدحهم أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، وذكر أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، فعلل بالتوكل وأخبر أنهم تركوا ذلك توكلاً، ثم سأله عكاشة أن يدعو اللّه أن يجعله منهم، ففعل، لأنه رأى ذلك طريقه ورأى معه زاده، وشهد فيه القوّة فأهله لذلك، فلما قال له الآخر: ادع اللّه أن يجعلني منهم، والمقامات لا يقتدى بها ولا يتمثل فيها، كما لا تدعى، لأنها مواجيد قلوب باتحاد قريب ومشاهدات غيوب بإشهاد حبيب، فلما لم يرَ ذلك طريقه ولم يشهد معه زاده لم يؤهله لذلك، فأوقفه على حده وحكم عليه بضعفه، فرده ردَّاً جميلاً، لأنه كان حبيباً كريماً، فقال: سبقك بها عكاشة، فهذا كما يقول الحاكم الحكيم: إذا ضعف أحد الشاهدين زدني شاهداً آخر، ولا يصرح بجرح الشاهد ولو عدله لقبله، ولم يطلب الزيادة، وإلاّ فالمقامات لا تضيق لمن سبق إليها، والرسول غير بخيل مع قوله تعالى شاهداً له: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} التكوير:42، ولكن لم يرَ فيه شاهد ذلك من القوّة، وتبين فيه الضعف عن الحمل فلم يخاطر به، وقد نهى عن الكي في غير حديث وقال لرجل أراد أن يداوي أخاه إلاّ أنه مات من علّته، فقال: أما لو برأ لقلت برأته لعلمه بما يهجس في بعض النفوس أنّ الشفاء والنفع من فعل الدواء، وذلك من الشرك فكره المحققون بالتوحيد التداوي خشية دخول ذلك عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت