ولا يضرّ الادخار مع صحة التوكل إذا كان مدخراً للّه وفيه، وكان ماله موقوفاً على رضا مولاه لا مدخراً لحظوظ نفسه وهواه، فهو حينئذ مدخراً لحقوق اللّه التي أوجبها عليه، فإذا رآها بذل ماله فيها، والقيام بحقوق اللّه لا ينقص مقامات العبد بل يزيدها علوّاً، وحدثونا عن بعض أصحاب بشر بن الحارث قال: كنت عنده ضحوة من النهار، فدخل عليه كهل أسمر خفيف العارضين، فقام إليه بشر قال: وما رأيته قام لأحد غيره قال: ودفع إليّ كفّاً من دراهم فقال: اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام والطيب، قال: وما قال لي قط مثل ذلك، قال: فجئت بالطعام فوضعته بين يديه، فأكل معه، وما رأيته أكل مع غيره، قال: فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير، فأخذه الرجل فجمعه في ثوبه فجعله تحت يده وانصرف قال: فعجبت من فعله ذلك وكرهته له إذ لم يأمره بشرٌ بذلك ولا هو استأذنه فيه، فقال لي بشر بعد ذلك: لعلك أنكرت فعله ذلك؟ قلت: نعم، أخذ بقية الطعام من غير إذن، فقال: تعرفه؟ قلت لا، قال: ذلك أخونا فتح الموصلي، زارنا اليوم من الموصل، وإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار، وترك الادخار إنما هو حال من مقامه قصر الأمل.
وقد يصح التوكل مع تأميل البقاء، فإن كان أمله للحياة لطاعة مولاه وخدمته والجهاد في سبيل اللّه فضل ذلك، وهذا طريق طائفة من الراجين والمستأنسين، وإن كان أمله للحياة لأجل متعة نفسه، وأخذ حظوظها من دنياه، نقص ذلك من زهده في الدنيا، فسرى النقص إلى توكله، وما نقص من الزهد نقص من التوكل بحسابه، وليس ما زاد في الزهد يزيد في التوكل بحسابه، لأنّ الزهد من شرط خصوص التوكل، وليس التوكل من شرط عموم الزهد، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة، وليس كل زاهد في مقام متوكلاً لأن التوكل مقام والزهد حال، والمقامات للمقربين والأحوال في أصحاب اليمين إلاّ أنّ من أعطى حقيقة الزهد فإنه يعطي التوكل لا محالة، لأنّ حقائق الأحوال وثبوتها، ودوام استقامة أهلها فيها، ولزومها لقلوبهم هي مقامات؛ فإذا جاز للمتوكل تأميل البقاء لشهر أو شهرين جاز له الادخار لذلك، إلاّ أنّ طول الأمل يخرج من حقيقة التوكل عند الخواص ولا يخرجه من حده عندي، وأكره للمتوكل الادخار لأكثر من أربعين يوماً، كما يكره تأميل البقاء لأكثر من أربعين، ومن ادّخر لصلاح قلبه وتسكين نفسه وقطع تشرفه إلى الناس؛ إن كان مقامه السكون مع المعلوم، فالادخار له أفضل، فأما من ادّخر لعياله لتسكن قلوبهم ولوجود رضاهم عن اللّه، ولسقوط حكمهم عنه ليتفرغ لعبادة ربه، فهو فاضل في ادخاره اتفقوا عليه، ولأنّه في ذلك قائم بحكم ربه راعٍ لرعيته التي هو مسؤول عنها، وقد ادّخر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ليسن ذلك، وقد نهي أم أيمن وغيرها أن تدّخر شيئاً لغد، ونهى بلالاً أيضاً عن الادخار ليقتدي به أهل المقامات في ذلك، كما روي أنه قبض صلى الله عليه وسلم وله بردان في الحف ينسحبان، وقد كان عليه السلام أقصر أملاً من ذلك، كان يبول فيتيمم قبل أن يصل إلى الماء، فيقال له في ذلك إنّ الماء منك قريب، فقال: وما يدريني لعلّي لا أبلغه، ولكن فعله لئلا يهلك من طال أمله من أمته، فجعل فعله نجاة له، فهذا يدلك أن الادخار يتسع ويضيق على قدر مشاهدات العارفين، من قبل أن الشريعة جاءت بالرخصة والعزيمة؛ فالعزائم من الدين للأقوياء الحاملين، والرخص من الدنيا للضعفاء المخمولين، وقد كان الخوّاص يدقق في أحوال التوكل ويذكر أن الادخار يخرج من حد التوكل، ولم يكن يفارقه أربعة أشياء، وكان يقول: ادخارها من تمام حال المتوكل لأنها من أمور الدين؛ الركوة والحبل والإبرة والخيوط والمقراض، وكان سهل يضرب لمدّخر مثلاً في قصر الأمل وطوله فيقول: مثل من يترك الادخار مثل رجل يقول: أريد أن أخرج إلى الأيلة فيقال له: خذ رغيفاً فإن قال: أريد أن أخرج إلى عبادان قيل له خذ رغيفين فإن قال: أريد أن أخرج إلى العسكر قيل له: خذ أربعة أرغفة قال: فكذلك ترك الادخار على قدر قصر الأمل وطوله.
وأعجب ما سمعت في انقطاع الأمل ما حكي أنّ موسى والخضر اجتمعا، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال: أقعد فقعد، فتكلم الخضر بشيء فأقبل ظبي مخيض حتى وقف بينهما، فوقع نصفين نصفه إلى الخضر مشويّاً ونصفه إلى موسى نيّئاً، فقال له الخضر: قم فاقدح