فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 922

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31)}

(ذكر فضائل شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم)

قال اللّه تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} آل عمران:31، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين، وقال صلى الله عليه وسلم: لو أدركني موسى وعيسى ما وسعهما إلا اتباعي، وروينا في لفظ آخر: ثم لم يؤمنا بي لأكبهما اللّه في النار، وحدّثونا في الإسرائيليات أنّ رجلًا عصى اللّه تعالى مائتي سنة، في كلها يتمرد ويجترئ على اللّه، فلما مات أخذ بنو إسرائيل برجله وألقوه على مزبلة، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام أن غسله كفنه وصل عليه في جميع بني إسرائيل، ففعل ما أمر به فعجب بنو إسرائيل من ذلك، وأخبروه أنّه لم يكن في بني إسرائيل أعتى على اللّه ولا أكثر معاصٍ منه، فقال: قد علمت، ولكن اللّه تعالى أمرني بذلك، قالوا: فاسأل لنا ربّك، فسأل موسى عليه السلام ربّه فقال: يا ربّ، قد علمت، ما قالوا، فأوحى اللّه تعالى إليه أن صدقوا أنه عصاني مائتي سنة إلاّ أنه يومًا من الأيام فتح التوراة فنظر إلى اسم حبيبي محمد مكتوبًا، فقبله ووضعه على عينه، فشكرت له ذلك، فغفرت له ذنوب مائتي سنة، وحدّثنا في معناه عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت مؤاخيًا لأبي لهب، مصافيًا له، فلما مات وأخبر اللّه تعالى عنه بما أخبر، حزنت عليه وأهمني أمره، فسألت اللّه تعالى عليه حولًا أن يريني إياه في المنام، قال: فرأيته يلتهب نارًا فسألته عن حاله فقال: صرت إلى النار في العذاب، لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة الإثنين في كل الليالي والأيام فإنه يرفع عني العذاب، قلت وكيف ذلك؟ قال: ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءتني أميمة فبشرتني بولادة آمنة إيّاه، ففرحت بمولده، فأعتقت وليدة لي فرحًا مني به، فأثابني اللّه تعالى بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة إثنين لذلك، وقال اللّه تعالى في تحقيق المحبة: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الحشر:9، ثم قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر:9، فمن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إيثار سننه على الرأي والمعقول، ونصرته بالمال والنفس والقول، وعلامة محبته اتباعه ظاهرًا وباطنًا، فمن اتباع ظاهره: أَداء الفرائض واجتناب المحارم والتخلق بأخلاقه والتأدب بشمائله وآدابه، والاقتفاء لآثاره والتجسس عن أخباره، والزهد في الدنيا والإعراض عن أبنائها ومجانبة أهل الغفلة والهوى، والترك للتكاثر والتفاخر من الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة، والتقرب من أهلها والحب للفقراء، والتحبب إليهم، وتقريبهم وكثرة مجالستهم، واعتقاد تفضيلهم على أبناء الدنيا، ثم الحب في اللّه للبعيد المبغض، وهم العلماء والعباد والزهاد، والبغض في اللّه للقريب المحب، وهم الظلمة المبتدعة والفسقة المعلنة، ومن اتباع حاله في الباطن مقامات اليقين، ومشاهدات علوم الإيمان، مثل الخوف والرضا والشكر والحياء، والتسليم والتوكل والشوق والمحبة، وإفراغ القلب للّه وإفرادًا لهم باللّه، ووجود الطمأنينة بذكر اللّه، فهذه معاملات الخصوص وبعض معاني باطن الرسول، وهو من أتباعه ظاهرًا وباطنًا، فمن تحقق بذلك فله من الآية نصيب موفور أعني قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} آل عمران:31 وقد كان سهل يقول: علامة المحبة، إتباع الرسول، وعلامة إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا، وقال أيضًا في تفسير قوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم} النساء:69، قال: يطع اللّه في فرائضه، والرسول في الدخول في سننه، فإذا اجتنب العبد البدع، وتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم فقد اتبعه وقد أحب اللّه تعالى، وكان معه صلى الله عليه وسلم غدًا موافقًا في منزلته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت