فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 922

ثم يعلم العبد يقيناً أن لكل عمل صالح نعيماً في الجنة وروحاً في البرزخ ولكل عمل حسن ومعرفة خالصة مقاماً في الجنة، وقد قسم جزء هناك لعطاء معاملة ههنا وأن لكل عمل سيئ وجهل قبيح عذاباً في الآخرة وكرباً في البرزخ ومقاماً من النار قد قسم جزء هناك لعمل ههنا ثم قد أخفى اللَّه ذلك الجزء من الخير والشر وأظهر أعمالهما للحمكين وأبان لهما طريقين يجريان إلى دارين بن حكمة منه ثم قدم المعاملات من المعنيين وأخر المثوبات من النوعين إحكاماً منه للأفعال واستسعاء للعبد بالأعمال ابتلاء منه لتجزي كل نفس بما تسعى منة منه ورحمة وقدرة منه ومحبة لا يسئل عما يفعل لأنه ملك قهار عزيز جبار وهم يسئلون لأنهم عبيد مقهرون وذلل مجبورون ولا تضرب لهم الأمثال لأنه قد جاوز الاحتجاج والاعتدال ولا يسوى بالعبيد لأنه قد فات التقدير والتحديد فله الحجة والقدرة النافذة في كل شيء ليس كمثله شيء في جميع ذلك كله، وقد أحكم اللَّه تعالى ما ذكرناه في توحيد نفسه بالمشيئة والأفعال ونهيه عن الشرك به وضرب الأمثال وعجب ممن يسوي بينه وبين خلقه في الأحكام وجعل ذلك جحود النعمة وشركاً في ملكه وأخبر به عن المشركين وإضلالهم أتباعهم بعد ضلالهم المبين وإضلالهم بتسويتهم بينه وبين عباده في الأحكام في قوله تعالى: {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ} الشعراء: 96، 97، 98، 99، قيل: أنزلت في القدرية لأنهم أضافوا الحول والقوَّة في الشر إلى الخلق فسوّوا بينهم وبين الخالق، وقد قال اللَّه تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} الصافات:96 فأضاف الأعمال إلى أنه خلقها كخلقه إياهم فهم المجرمون الذين أنزلت فيهم هذه الآية التي ذكر فيها القدرية فوصفوا بإنكارهم في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر: 47، 48، 49 هم المجرمون الذين أضلوا أتباعهم وهم الغاوون الذين كبكبوا في النار مع أشياعهم وقد أحكم اللّه تعالى تفضيل ما ذكرناه آنفاً في خمس آيات محكمات تنظم جمل معاني ما ذكرناه تركنا شرح ذلك وبسطه خشية الإطالة لأنا لم نقصد الاحتجاج في الاستدلال من ذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ} النحل:71. يعني: فضل الموالي على العبيد {فما الذين فضلوا} يعني الموالي {برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة اللَّه يجحدون}

والآية الثانية قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} الروم:28 أي: فكذلك أنا لا شريك لي من عبيدي فلا تجعلوا لي ما لم أجعل أحد لا خلقي ولا عبيدي عليكم إذ لم أسوِّ بينكم وبين عبيدكم فلا تشركوا عبيدي في حكمي، والثالثة قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} النحل:75 يعني: الإنفاق، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه فجعلهما على وصفين أحدهما بخيل لم يقدره على الإنفاق ثم ذم بالبخل والعجز وهو الذي أعجزه ومنعه وجعل الآخر جواداً إذا قدره وأعطاه الإنفاق ثم مدحه بالجود، وقال في الآية الرابعة: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} النحل:76 هو الحكمة والعلم ثم قال: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} النحل:76 فجعل له عبدين: أحدهما سفيه جاهل أبكم عن الحكمة ولم يقدره على علم ولم يعطه استقامة ثم ذمه بوصفه ومقته لمنعه وجعل الآخر آمراً بالعدل عن أمره مستقيماً على صراطه المستقيم الذي هو عليه وهو أقامه كما قال: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} فهل يسلك أحد طريقه إلا به وهل يجوز عبد على سبيله إلا بحوله ثم مدحه بإعطائه إياه ووصفه بوصفه ثم علم سبحانه أن للعقل في هذا تشبيهاً وتمثيلاً بخلقه وتجويزاً وتظليماً من خالقه على قياس العقول، إن من فعل بعبدين له مثل هذا ثم مدح أحدهما وهو أعطاه وأقدره وذم الآخر وهو الذي منعه وأعجزه أنه قد ظلمه فحسم ذلك عزّ وجلّ بنهيه وأحكم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال، فقال سبحانه وتعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل:74 فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعاً للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال وهلكوا غداً في المآل. كم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال، فقال سبحانه وتعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل:74 فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعاً للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال وهلكوا غداً في المآل.

وقد روى الضحاك عن ابن عباس تصديق ما ذكرناه قبيل قوله عزّ وجلّ: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} الحجر:44.

قال ابن عباس: طبق أسفل من طبق سبع دركات على قدر أعمالهم كذلك يقتسمون الدركات بقدرما اجترموا كما اقتسم أهل الجنة الدرجات بالفضائل لكل باب منهم جزء مقسوم يعني نصيباً معلوماً مفروضاً لكل طبقة سكان، وقال بعض العلماء: تاللَّه ما في الجنة قصر ولا نهر ولا نعيم إلا عليه اسم صاحبه مكتوب واسم ذلك العمل الذي هو جزاؤه مكتوب وكذلك جهنم ما فيها غل ولا قيد ولاشعب ولاعذاب إلا وعليه وصف ذلك العمل الذي هو جزاؤه واسم صاحبه مكتوب، وقال: قد أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه وأدخلهم النار قبل أن يعصوه، وقال بعض العارفين أيضاً: الخالق أهون من أن يعصوه عزّ وجلّ بما لم يردوا للَّه أعز من أن يرضيه إلا من أحب لكنه غضب على قوم في العدم فلما أظهرهم استملهم بأعمال أهل الغضب ليحلهم دار الغضب ورضي عن قوم في القدم فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الرضا ليحلّهم دار الرضا، وقال بعض أهل المعرفة: أظهر الخلق في العدم وأوجدهم سبعاً إياهم اقتداراً ثم أظهر لهم أعمالهم وخيرهم الأعمال منه اختياراً فاختار كل عبد منهم عملاً بعينه ثم طوى الأعمال فيهم وطواهم في الغيب فلما أظهرهم الآن في الوجود حجبهم بالعقول وأجرى كل عبد منهم اختياره لنفسه فبذلك وقعت الحجة عليهم إذا كشف لهم غداً ما حجبه عنهم اليوم وحدثت عن بعض هذه الطائفة قال: كان قد بقي في نفسي شيء من القدر وكنت أستكشفه من العلماء فلا ينكشف حتى قيض اللَّه تعالى لي بعض الأبدال فاستكشفته إياه فقال: ويحك ما تصنع بالاحتجاج نحن يكشف لنا عن سر الملكوت فننظر إلى الطاعات تنزل صوراً من السماء حتى تقع على جوارح قوم فتتحرك الجوارح بها وننظر إلى المعاصي صوراً مصورة تنزل من السماء فتقع على جوارح قوم فتتحرك بها، قال: فكشف عن قلبي القدر وأوقع لي العلم بمشاهدة القدرة وكنت أنا مرة خاطبت بعض إخواننا في شيء من الاستطاعة مع الفعل لا أنه قبله ولا بعده فتكلمت في ذلك بمذهب المثبتة من أهل الكلام قبل أن يكشف لي بمشاهدة علم اليقين فرأيت في النوم كأنّ قائلاً يقول: القدر من القدرة، والقدرة صفة القادر، فيقع القدر على الحركة ولا يتبين فتظهر الأفعال من الجوارح، أوَ قال فتتحرك الجوارح بالأفعال ولا تتبين فكيف يتكلم في شيء لا يتبين فجعلت على نفسي أني لا أناظر أحداً منهم بعد ذلك في شيء من هذا الباب، وقد حدثونا عن بعض العابدين قال: صليت من السحر ركعتين ثم غفوت بعدهما فرأيت قصراً عالياً ذا شرف بيض كأنها الكواكب فاستحسنته فقلت لمن هذا القصر؟ قيل لي: هذا ثواب هاتين الركعتين ففرحت فجعلت أطوف حوله فرأيت شرافة من ركنه قد وقعت فشانه ذلك فاغتممت وقلت: لو كانت هذه الشرافة في أعلاه في هذا الموضع لتم حسن هذا القصر فإن ثلمها قد شانه فقال لي غلام هناك: قد كانت هذه الشرافة في مكانها من القصر إلا أنك التفتّ في صلاتك فسقطت، وحدثونا عن بعض الزهاد أنه كوشف مقامه من الجنة فرأى الحور العين وقلن نحن أزواجك، فلما خرجت تعلقت بي الحور وقلن: ننشدك اللَّه إلا ماحسنت أعمالك فإنك كلما حسنتها ازددنا لك حسناً وازددت بنا نعيماً، وحدثونا عن رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى قالت: سبحت ذات ليلة تسبيحات من السحر ثم نمت فرأيت شجرة خضرة نضرة لا توصف عظماً وحسناً وإذا عليها ثلاثة أنواع من الثمر لا أعرفه من ثمار الدنيا كثدي الأبكار ثمرة بيضاء وثمرة حمراء وثمرة صفراء، فهن يلمعن كالأقمار والشموس في خلال خضرة الشجرقالت: فاستحسنتها فقلت: لمن هذه؟ فقال لي قائل: هذه لك بتسبيحاتك آنفاً، قالت: فجعلت أطوف حولها فإذا تحتها ثمرة منتشرة على الأرض في لون الذهب فقلت: لو كانت هذه الثمرة مع هذه الثمار على هذه الشجرة لكان أحسن فقال لي الشخص: كانت هناك إلا أنك حين سبحت تفكرت هل اختمر العجين أم لا فانتثرت هذه الثمرة فهذه عبرة لأولي الأبصار ومواعظ لأهل التقوى والأذكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت