وفي الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلبن فقال: من أين لكم هذا؟ فقيل له: من شاة كذا، فقال: ومن أين لكم هذه الشاة؟ فقيل: من وضع كذا، فشرب منه ثم قال: إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلاّ طيّباً ولا نعمل إلاّ صالحاً، وقال اللّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: 172، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أصل الشيء وأصل أصله ولم يسأل عمّا وراء ذلك، لأنه قد يتعذر ولا يوقف على حقيقته، ولأنّ أموال التجار والصناع قد اختلطت بأموال الأجناد، وهم يأخذون ذلك بغير استحاق، فكأنه من أكل المال بالباطل إذ قد أوقفوا نفوسهم، وارتبطوا دوابهم في سبيل الهوى، فصاروا يأخذون العطاء بغير حق، ولا يملكون ذلك، ثم ينتشر ذلك في أموال التجار واصناع وهم لا يميزون بين ذلك ولا يرغبون عنه لقلة التقوى وعدم الورع، فلذلك غلب الحرام لأنّ الحلال إنما هو فرع للتقوى والورع، إذا كثر المتّقون وظهر الورعون كثر الحلال وظهر، وإذا قلّوا فشاء الحرام وانتشر فصار الحلال مستهلكاً غامضاً في الحرام لغربة الورعين وخفية المتّقين، وإنما كان الحلال في القرن الأول موجوداً لوجود السلف الصالح، وكان الناس ورعين وكانوا لا يأخذون ما ليس لهم بحق فكانوا متّقين وكانوا يتركون بعض حقّهم خشية دخول الشبهة عليهم، فمن أجل ذلك كان الحلال كثيراً، وقد حكى عن بعض فقهاء العراق أعرف أنه قال: لا أقبل شهادة شحيح، قيل: ولِمَ؟ قال: الشحّ يحمله على استيفاء حقّه، وفي استيفاء حقّه أخذه ما ليس له، ثم قال: حدثني عطاء عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أته قال: ما استقصى كريم قط، وتلا قوله عزّ وجلّ: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} التحريم: 3.
وفي الخبر: كما نترك سبعين باباً من الحلال مخافة باب واحد من الحرام، وقال الحسن: أدركت من مضي يعرض على أحدهم المال الحلال فيقول: لا حاجة لي به، أخاف أن يفسد على قلبي، قد كانت الأئمة عدولاً فكانت الجنود معاونين لهم على التقوى يأخذون عطاءهم بحق.