فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 922

روي عن عليّ عليه السلام أنه سأل رجلاً بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثاً ويشركه في صحبته، وقال بعض العارفين: كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشدّ الرحال فهو أفضل، أولاها المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد بيت المقدس، فيقال: من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخرج ابن عمر من المدينة قاصداً إلى بيت المقدس حتى صلّى فيه الصلوا ت الخمس، ثم كرّ راجعاً من الغد إلى المدينة، وسأل سليمان عليه السلام ربه تعالى: إنّ من قصد هذا المسجد لا يهمه إلاّ الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيماً فيه حتى يخرج منه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه اللّه تعالى ذلك، وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم اللّه عزّ وجلّ وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن نذكرها، وإن سافر طلباً للحلال وهويأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان، وقد فعله صالحو السلف في كل زمان، وليكن العبد في سفره مراعياً لهمه، حافطاً لقلبه من التشتّت والطمع في الخلق، والتعرّض للمسألة، فإن لم يكن ذا معلوم معهود كان معلومه العلام الودود، وكان طريقه إليه صدق التوكّل، وزاده في طريقه حسن التقوى له بصحة الأياس من الناس، وعليه حينئذ الصبر على بلائه، والرضا بتصريفه في قضائه، ولاشكر على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء، لأنه في يد الوكيل يقلبه كيف يشاء، والتوكّل عند المتوكّلين هو في الصبر للصبور وتسليم الحكم للحاكم، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} العنكبوت: 59 وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} يوسف: 67.

وقال رجل لبشر بن الحارث: إني أريد سفراً ولكني منعني أنه ليس عندي شيء، فقال: لا يمنعك العدم من سفرك واخرج لقصدك، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ما لك، وكان إبراهيم الخواص يقول: كفّ فارغ وقلب طيب ومرّ حيث شئت، ومن طرقته فاقة أو رهقته حاجة لم يخرجه من التوكّل أن يسأل إذا عدم القوة والصبر، لأنه حينئذ يسأل لربه لا لنفسه، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه وحفظ عقله الذي هو مكان تكليفه، وفي الأثر: من جاع فلم يسأل فمات دخل النار، لأن ّ ترك السؤال عند خوف رهق الموت، ومع عدم الصبر سبب التلف، إن كان الجوع أحد الحنوف القاتلة، وقد تأوّل بعض متأخّري الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم: أحلّ ما أكل العبد من كسب يده قال: المسألة عند الفاقة وأنا بريء من عهدة هذا التأويل، وقد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية وكان هو يستحسنه، ولكن قد كان أبو سعيد الخراز يمدّ يده عند الفاقة ويقول: ثم شيء للّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت