{يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} النمل: 25، فإن خرج سائحاً في طلب العلم فقد جاء ذلك في تفسير قوله عزّ وجلّ السائحون قيل: في طلب العلم، وقيل: هم طلبة العلم، وقد كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد، وقال الشعبي: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى، ما رأيت أنّ سفره كان ضائعاً، ورحل جابر بن عبد اللّه من المدينة وغيره من الصحابة إلى مصر فساروا شهراً في حديث بلغه عن عبد اللّه بن أنيس الأنصاري يحدثه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى سمعوه، ومن سافر في طلب العلم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا أكثر من أنْ يحصى.
وفي الخبر: من خرج من بيته في طلب العلم، فهو في سبيل اللّه عزّ وجلّ حتى يرجع.
وفي خبر آخر: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل اللّه عزّ وجلّ له طريقاً إلى الجنة، ويقال: إنّ النفقة في العلم كالنفقة في سبيل اللّه، الدرهم بسبعمائة، وإن سافر في لقاء الصالحين فقد جاء في الأثر: كانوا يحجون للقاء، والحجّ من أفضل الأسفار فجعلوه سبباً للقاء الأخيار، فإن نوى القرب من الأمصار طمعاً في سلامة دينه وبعداً من تعلّق النفس بما في الحضر من حظّ دنياه فحسن، وربما خرج طلباً للخمول والذلة، خشية الفتنة بالشهرة، ورجاء صلاح قلبه، واستقامة حاله في البعد من الناس، ورياضة بالتفرق والتوحّد إلى أن يقوّي يقينه ويطمئن قلبه، فيستوي عنده الحضر والسفر، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام بهم، وقد قال الثوري: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين، وهذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره، وقال أبو نعيم: رأيت الثوي وقد علق قلّته بيده، ووضع جرابه على ظهره، فقلت له: إلى أين يا أبا عبد اللّه؟ فقال: قد بلغني عن قرية فيها رخص، فأنا أريد أن أقيم بها، فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد اللّه؟ قال: نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها، فإنه أسلم لدينك، وأقلّ لهمّك، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار، ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل اللّه عزّ وجلّ من الجهاد والحجّ والرباط وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم زيارة أصحابه، محتسباً بذلك ما عند اللّه عزّ وجلّ، والسفر في زيارة الأخ في اللهّ عزّ وجلّ مستحبّ مندوب إليه، روينا في خبر عن بعض أهل البيت عليهم السلام وقيل: مكتوب في التوراة سرْ ميلاً عد مريضاً، سرْ ميلين شيّع جنازة، سرْ ثلاثة أميال أجب دعوة، سرْ أربعة أميال زر أخاً في اللّه تعالى.
وفي الخبر: أنّ رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد اللّه عزّ وجلّ على مدرجته ملكاً، فقال: أين تريد؟ فقال: أخاً لي في هذه القرية أزوره، قال: أبينك وبينه رحم تصلها؟ قال: لا، قال: فله عليك نعمة تردها، قال: لا إلا ّ أني أحببته في اللّه عزّ وجلّ، قال: فإني رسول اللّه إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة أخيك، وإن سافر إلى بعض الثغور ناوياً رباط أربعين يوماً أو ثلاثة أيام فحسن، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثاً فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه.