وحدثونا عن أبي جعفر الحداد، وكان شيخاً للجنيد، له علم في التوكلّ وحال من الزهد، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو بابين، فيكون ذلك معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين، ولم يعب هذا عليه أحد من الخصوص، وقد رأى بعض الناس رجلاً من الصوفية دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله، ثم سأل قوتاً في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك وقال: دفع إليك شيء أخرجته كله، فلو تركت منه لعشائك شيئاً؟ فقال: ما ظننت أني أعيش إلى المساء، ولو علمت ذلك فعلت، وكان هذا زاهد قصير الأمل إلاّ أنّ السؤال للمتوكّل عند الخواص يخرجه من التوكّل، وقد كان سهل يقول: المتوكّل لا يسأل ولا يردّ ولا يحتكر، وليس يخرجه عندي من التوكّل المسألة عند الفاقة، بل عدم الصبر والقوة، ففقد ذينك وجود الإذن من اللّه له في السؤال إذا كان ناظراً إلى تصريف والوكيل في كل حال، ولأنّ الوليّ الحميد يقلب وليّه في جميع الأحوال، ألم ترَ إلى إمامي أهل الظاهر والكتاب وأهل الباطن والقلوب، استطعما أهلها، لأن المسلم يستحقّ على إخوانه سدّ جوعته لحرمة الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليلة الضيف واجبة، وقال عليه الصلاة والسلام: الضيافة حقّ.
وفي الخبر: ولك أن تأخذ من ماله مقدار ليلة، وفي الحديث: أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من المسليمين جائعاً فقد برئت منهم الذمة، وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن، فقال: كنت أذكرهم حديث عبد اللّه هذا في الضيافة، قال: فيخرجون إليّ طعاماً فآكل شبعي وأترك ما بقي، والمسافر هو ابن السبيل الذي أوجب اللّه حقه في الأموال، لأن السبيل هو الطريق، وراكبها ابنها، لأنه صاحب طريق وسالكه، وليس عليه أيضاً في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام شيء، لأنه مقيم على ما أبيح له.