وقال أبو عيينة وقد أنشد هذا البيت:
وجدت مصيبات الزمان جميعها ... سوى فرقة الإخوان هينة الخطب
فقال: لقد عهدت أقواماً فارقتهم منذ ثلاثين سنة، ما تخيل لي أنّ حسرتهم ذهبت من قلبي، وقال بعضهم ما هدني شيء ما هدني موت الأقران، ويقال: إذا مات صديق الرجل فَقَدْ فَقَدَ عضواً من أعضائه وأنشدونا عن العتبي:
ولقد بلوت الناس ثم خبرتهم ... ووصلت ما قطعوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأنساب
وبلغني أنّ أخوين ابتلى أحدهما بهوى، فأظهر عليه أخاه وقال: إني قد اعتللت بالهوى، فإن شئت أنْ لا تعتقد عليّ محبتي للّه تعالى فافعل فقال: ما كنت لأحلّ عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدًا، قال ثم عقد أخوه بينه وبين اللّه عزّ وجلّ أنْ لا يأكل ولا يشرب حتى يعافي اللّه عزّ وجلّ أخاه من هواه، قال فطوى أربعين يوماً في كلها يسأله عن هواه: كيف أنت منه فكان يقول: القلب مقيم على حاله قال: وما زال أخوه الآخر ينحل ويسقم من الغمّ عليه، ومن تركه الطعام والشراب قال: فأزال اللّه الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين، فأخبره بذلك، فأكل وشرب بعد أنْ كاد يتلف هزلاً وضرًّا، وبمعناه حدثت عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة، فقيل لأخية التقي: ألا تقطعه وتهجره فقال: هو أحوج ما كان إليّ في هذا الوقت لما وقع في عثرته، أنْ آخذ بيده، وأتلطف له في المعاتبة، وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه، وفيما رويناه من الإسرائيليات أنّ أخوين عابدين في جبل، نزل أحدهما ليشتري من المصر لحماً بدرهم، فبصر ببغي عند اللحام، فهويها فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثاً واستحى أنْ يرجع إلى أخيه من جنايته، قال: فافتقده أخوه واهتم بشأنه، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه، فدخل عليه وهو جالس مع البغي، فاعتنقه وجعل يقلبه ويلزمه، وأنكر الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه منه، فقال: قم يا أخي فقد علمت بشأنك وقصتك، وما كنت أعزّ علي وأحبّ منك في يومك هذا وساعتك هذه، فلما رأى ذلك لا يسقطه عنده، قام فانصرف معه، فهذا من أحسن النيات وهو طريق العارفين من ذوي الآداب والمروءات، فإن أحب هذا الأخ أنْ يؤثر أخاه بما آثره به، ولا يقتضيه حق إخائه، فحسن، قد فعل ذلك عبد الرحمن بن عوف لما آثره سعد بن الربيع بالمال والنفس، فقال: بارك اللّه لك فيهما، فآثره بما به آثره، فكأنه أستأنف هبته له لأنه قد كان ملكه إياه لسخاوة نفسه، وحقيقة زهده، وصدق مودته، فكانت المساواة لسعد، والإيثار لعبد الرحمن، فزاد عليه، وهذا من فضل المهاجرين على الأنصار إذ كانت المساواة دون الإيثار، وقد كان مضر بن عيسى وسليمان يقولان: من أحبّ رجلاً ثم قصر في حقه فهو كاذب في حبه، وكان أبو سليمان الداراني يقول: هو صادق في حبه مفرط في حقّه، ثم قال: لو أنّ الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، وقال: إني لألقم الأخ من إخواني اللقمة فأجد طعمها في حلقي، وأعلم أنّ إطعام الطعام والإنفاق على الإخوان مضاعف على الصدقات وعلى العطاء للأجانب، بمنزلة تضعيف الثواب في الأهل والقرابات.