وروي عن عليّ عليه السلام: لعشرون درهماً أعطيها أخي في اللّه عزّ وجلّ أحّب إلي من أنْ أتصدق بمائة درهم على المساكين، وقال أيضاً: لأن أصنع من طعام وأجمع عليه إخواني في اللّه عزّ وجلّ أحبّ إلى من أنْ أعتق رقبة.
وأوصى بعض الحكماء ابنه فقال: يا بني ادخل بين الأعداء ولا تدخلن بين الأصدقاء، قال: وكيف ذلك قال: الدخول بين الأعداء يكسب الصداقة والدخول بين الأصدقاء يورث العداوة، ولا ينبغي للأخ أنْ يخون أخاه في غيبه بما يكره إنْ كان ذلك في شيء مباح إذا كرهه، ولا ينكر عليه ما لا يقوم في علمه إذا فعله إنْ كان أخوه أعلم منه، أو كان له وجه يخرج عليه، ولا ينبغي أنْ يكذبه في أمره ولا يفشين له سرّاً، ولا يعرضنه لغيبة ولا نميمة، ولا يحوجه إلى مداراة، ولا يلجأ إلى اعتذار، ولا يتكلفن له ما يشق عليه أو ما لا يحبه هو منه، وقال العباس لابنه عبد اللّه: إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، يقدمك على الأشياخ ويقربك دونهم فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشين له سرّاً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذبة، وفي بعض الروايات: ولا تعصين له أمرًا، ولا يطلعن منك على خيانة، قال: فقلت للشعبي وقد رواه: كل كلمة خير من ألف قال: كل كلمة خير من عشرة آلاف، وأفشى بعضهم إلى أخيه سرًّا ثم قال له: حفظت قال: بل نسيت وقيل لبعض الأدباء كيف حفظك السرّ قال: أنا قبره وقيل لآخر كيف تحفظ السرّ فقال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر، ومن أحسن ما سمعت في حفظ السر ما حدثني بعض أشياخنا عن إخوان له، دخلوا على عبد اللّه بن المعتز فاستنشدوه شيئاً من شعره في حفظ السرّ، فأنشدهم على البديهة:
ومستودعي سرًّا تبوأت كتمه ... فأود عته صدري فصار له قبرا
قال فخرجنا من عنده، فاستقبلنا محمد بن داود الأصبهاني فسألنا من أين جئنا فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز في السرّ، فاستوقفنا ثم أطرق مليًّا ثم قال سمعوا قولي: