وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وعن ابنه عبد اللّه رضي اللهّ عنهما: لو أن رجلاً صام النهار لا يفطر، وقام الليل وجاهد، ولم يحب في اللّه عزّ وجلّ ويبغض في اللّه ما نفعه ذلك شيئاً، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الصلاة، قال: حسنة وليس به، قالوا: الحج والجهاد، قال حسنة وليس به، قالوا: فأخبرنا يا رسول اللّه، قال: أوثق عرى الإيمان الحب في اللّه تعالى، والبغض فيه، وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في اللّه عزّ وجلّ، ثم ينقلب الآخر عمّا كان عليه ويتغير، هل يبغضه بعد ذلك أم لا؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عمّا كان عليه وتغير، فأبغضه من حيث أحببته، وروينا عن أبي الدرداء أنّ شاباً غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه، وأنّ الشاب وقع في كبيرة من الكبائر، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه، وقالوا له: لو أبعدته، قال: سبحان اللّه لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء، وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك، وقد قيل له فيه، فقال: إنما أبغض عمله وإلاّ فهو أخي، وكذلك قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه في عشيرته: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، ولم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب، وقيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك: أخوك أو صديقك؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقاً، وكان الحسن يقول: كم من أخ لك لم تلده أمك، ولذلك قيل: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال: مه وزبرهم لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، وفي أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان، قال: ودّ الشيطان أنْ يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه وتهجروه، فماذا بغيتم من محبة عدوّكم؟ وقد كان أبو الدرداء يقول: إذا تغير أخوك وحال عمّا كان، فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان يقول: داوِ أخاك ولا تطع فيه حاسداً، فتكون مثله وقال الحسن: أي الرجال المهذب وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب، فإنه يركبه اليوم ويتركه غداً، وقال أيضاً: لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها.
وفي الخبر: اتّقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا فيئته، وعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: شرار عباد اللّه المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء الغيب، وقال سعيد بن المسيب إني لأكره أنْ أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين.