فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 922

وكذلك قال بعض الأدباء: قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة، وكذلك كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره، قالوا: كان أحدهم يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة، لا يفقدون إلاّ وجهه، ويقال إنّ مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهولا يعلم، وذهب خيثمة فقضي دين مسروق سرّاً وهو لا يعلم، فمن حقيقة المؤاخاة في اللّه عزّ وجلّ إخلاص المودة له بالغيب، والشهادة واستواء القلب مع اللسان، واعتدال السرّ مع العلانية في الجماعة والخلوة، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة، وإنْ اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة، وممازقة في المودة، وذلك دخل في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، ولا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان، وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم، فشرط له أشياء منها: أنْ يحب غير ذي نسب لا يحبه إلاّ للّه عزّ وجلّ، ومن شرط المحبة في اللّه تعالى أنْ لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها، كما جاء في الأثر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أنّ رجلاً زار أخاً في اللّه تعالى في قرية أخرى، فأرصد اللّه تعالى على مدرجته ملكاً، فقال: أين تريد، قال: أردت أخاً لي في هذه القرية، قال: هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها، قال: لا، إلاّ أني أحببته في اللّه تعالى، قال: فإني رسول اللّه إليك، إنّ اللّه تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت