فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 922

ما نالت النفس على بغية ... ألذّ من ودّ صديق أمين

مَنْ فاتَه ودّ أخ صالح ... فذلك المقطوع منه الوتين

وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقّاً يقين، وروينا في الأخبار السابقة إنّ اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: يا ابن عمران كن يقظان وارتد لنفسك إخواناً، وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو، وفي خبر غيره عن داود عليه السلام أنّ اللّه سبحانه وتعالى أوحى إليه: يا داود ما لي أراك منتبذاً وحداناً، قال: إلهي قليت الخلق من أجلك، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: يا داود كن يقظان مرتاداً لنفسك إخواناً، فكل خذن لا يوافقك على مسرّتي فلا تصحبه، فإنه لك عدو ويقسي قلبك ويباعدك مني، وقد روينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: كونوا مؤلفين ولا تكونوا منفرين، وفي الحديث: إنّ أحبكم إلى اللّه عزّ وجلّ الذين يألفون ويؤلفون، وإنّ أبغضكم إلى اللّه عزّ وجلّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الإخوان، وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا ربّ كيف لي أنْ يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك، قال: خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك، وفي بعضها: خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا، وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة، قال الشعبي عن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخيه زيد: أنا كنت أحبّ إلى أبيك منك، وأنت أحبّ إليّ من ابني، خصلتان أوصيك بهما فاحفظهما: خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه لحق عليك أنْ تخالص المؤمن، وقد قال أبو الدرداء قبله: إنّا لنشكر في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم، فمعنى هذا على الثقة والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه، كما جاء في تفسير قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فصلت: 34، قيل السلام: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت: 34 وكان ابن عباس يقول في معنى قوله عزّ وجلّ: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} الرعد: 22، قال: يدفعون الفحش والأذى وهو السيّئة بالسلام، والمداراة وهو الحسنة، وقد كان أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومنه قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} البقرة: 251، قيل بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة، وكذلك معنى قولهم: خالص المؤمن وخالق الفاجر فالمخالصة بالقلوب من المودة واعتقاد المؤاخاة في اللّه عزّ وجلّ، والمخالفة المخالطة في المعاملة والمبايعة، وعند اللقاء، وكذلك جاء مفسراً: خالطوا الناس بأعمالهم وزايلوهم في القلوب، وقد قال محمد بن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّاً، حتى يجعل اللّه عزّ وجلّ له منه فرجاً، فمعاملة غير تقي ومكالمته من أحوال الإضطرار، ومعاشرة التقي ومصافاته من حسن الاختيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت