وروي أنّ جماعة من الصحابة ما شبعوا من الطعام منذ قتل عثمان رضي اللّه عنه لاختلاط أموال أهل المدينة بنهب الدار، منهم ابن عمر وسعد وأسامة بن زيد رضي اللّه عنهم، وكان يوسف ووكيع بن الجراح يقولان: الدنيا عندنا على ثلاث منازل، حلال وحرام وشبهات، فحلالها حساب، وحرامها عقاب، وشبهاتها عتاب، فخذ من الدنيا ما لا بدَّ لك منه فإن كان ذلك حلالًا كنت زاهدًا، وإن كان شبهة كنت ورعًا وكان في عتاب بسير، وقد روينا عنهما أنهما قالا: لو زهد أحد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء في الزهد ما سميناه زاهدًا قيل: ولِمَ؟ قال: لأن الزهد عندنا إنما يكون في الحلال المحض، والحلال المحض لا يعرف اليوم، ومات يوسف ووكيع قبل المائتين، وقد كان وكيع بن الجراح أشبه العلماء بالسلف، وكان يشبه بعبد اللّه بن مسعود وقد كان يشدد في الطعمة فسئل عن الحلال، فجعل يعزره ويقول: أين الحلال؟ وكيف لي بالحلال؟ ثم قال: لوسألنا مسترشد عن علمنا في الحلال فقلنا له: كل أصول البردي وألقي ثوبك وادخل في الفرات قيل: وأنت يا أبا سفيان من أين تأكل؟ قال: آكل من رزق اللّه وأرجو عفو اللّه، وقد كان بشر بن الحارث من المتقدمين، سئل عن الحلال قيل له: من أين تأكل يا أبا نصر؟ فقال: من حيث تأكلون، وليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهويضحك، وقال مرة أخرى في رواية عنه: ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة، وسأله رجل عمّا لا يسكر من النبيذ فقال: انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو؟ فإن كان حلالًا وإلاّ هلكت دع عنك ما لا يسكر، وقد كان سري السقطي يتحري في أكل الحلال ولم يكن يأكل إلاّ من حيث يعرف، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي اللّه عنه أثنى عليه وقال: تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء، وكان يقول: لا يقوى على ترك الشبهات إلاّ من ترك الشهوات، ويقال إنّ بشر بن الحارث كان يأكل من قبله، وذكر لنا أنّ سريًا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال: يا بشر، لعل يدا نقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم: يعني قولهم بشر الحافي، فسكت بشر، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا: يا أبا نصر، إنه لم يرد إلاّ خيرًا فقال: سبحان اللّه، هو سري كما سري، وكان سري رحمه اللّه قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه بمال فرده، فجاء سري فكلمه بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك يرد عليه شيئًا.