وقد جاء في الخبر إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم، وقال بعض أهل التفسير في قوله عزّ وجلّ: {وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} الأنعام: 129، قال: إذا فسدت أعمال الناس، جعل عليهم أئمة يشبهون أعمالهم، وقد روينا عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: رزق المؤمن، مثل قطر الحب، فهذا يحتمله معنيان، أحدهما الضيق والقلة والثاني في الصفاء، وهذا على معنى ما قال سهل رحمه اللّه: لو كانت الدنيا دمًا غبيطًا لكان قوت المؤمن منها حلالًا، فهذا على معنيين، أحدهما أنّ المؤمن موفق معصوم قد عمل للّه عزّ وجلّ بما علم، واللّه قد حفظه من حيث لا يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام باختياره من عمله، كما يستخرج له العلم من الجهل، والتوحيد من الشرك بلطف قدرته، فمن تذكر به وتبصر به أقامه مقام التوحيد من الحكمة، والمعنى الثاني المؤمن عنده، لا يتناول شيئًا إلا فاقة أو ضرورة، فقد حلّت له وإنْ حرمت على غيره، وهذا هوالمؤمن الصديق وقد قيل لابن المبارك يظهر بعد المائتين عدل فقال: تذاكرنا ذلك عن حماد بن سلمة، فغضب وقال: إن استطعت أنْ تموت بعد المائتين فمت، فإنه يحدث في ذلك الزمان أمراء فجرة ووزراء ظلمة وأمناء خونة، وقراء فسقة حديثهم فيما بينهم، التلاوم يسمون عند اللّه الأنتان، وقال بعض السلف الصالح: إني لأستحي من اللّه عزّ وجلّ أنْ أسأله بعد المائتين أن يرزقني حلالًا، ولكني أسأله رزقًا لا يعذبني عليه، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه: ما ترك لنا بنو فلان من الحلال شيئًا، يعني الملوك والأمراء، ويقال إن عليَّا ًرضي اللّه عنه، لم يأكل بعد قتل عثمان، ونهب الدار إلاّ طعامًا مختومًا عليه، وروي في الخبر العامل الذي أراد عليّ رضي اللّه عنه، أنْ يستعمله على صدقات قال: فدعا بطينة مختومة طننت أنّ فيها جوهرًا أو تبرًا ففض ختامها، فإذا فيها سويق شعير فنثره بين يدي وقال: كل من طعامنا، فقلت: أتختم عليه يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم هذا شيء اصطفيته لنفسي، وأخاف أنْ يختلط فيه ما ليس منه، والحديث فيه طول فاختصرت هذا منه.