وقد روينا فيه حديثًا مسندًا، فهذا حجة فيما ذكرناه من أنّ حكم الشبهات أن ينفق منها فيما لايطعم ولا يلبس إلاّ إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار الحاجة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر به، فسأل عن أصل أصله فأخبر به، فلما رضيه شرب منه، فهذا حكم الحلال أن تعرف عين الشيء ثم تعرف أصله، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ذلك، فإن لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك.
وفي الخبر: لا تأكل إلاّ طعام تقي ولا يأكل طعامك إلاّتقي، لأن التقي قد استبرأ لدينه واجتهد بعلمه واحتاط لنفسه، فقد سقط عنك البحث والاجتهاد لأنه قد ناب عنك فيه وقام لك به، فكفاك كلفته فغنيت عن تكلفه، فلذلك جاءت الأحاديث على هذا المعنى: إذا دخل أحدكم إلى منزل أخيه فقدم إليه طعامًا فليأكل من طعامه ولا يسأل ويشرب من شرابه ولا يسأل، لأنه قد كفى والسؤال عمّا قد كفى تكلف، والتكلف ليس مما يعني المسلم.
وفي الخبر الآخر: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فلهذا سقط عنا السؤال من البحث ولذلك كان المتقدمون يستحبون أكل طعام العلماء والصالحين.
وأما من لا يحتاط لنفسه ولا يستبرئ لدينه ولا يتِقي في مكسبه حتى لا يبالي من أين أكل ولا من أين اكتسب ولا من أين جاءه الدرهم أبدًا، فهذا غير تقي فحينئذ يلزمك أنت البحث لنفسك والاجتهاد والاحتياط لدينك إذا لم يقم به غيرك ولم يكلفه أخوك، ففي مثل هذا جاء الخبر: لا يأكل طعامك إلاّ تقي ولا تأكل إلاّ طعام تقي، والتقي هو الورع الدين المتّقي للحرام المجتنب للآثام، ففي دليل خطابه: لا تأكل طعام غير تقي فلا يصح التقوى من عبد يتصرف حتى يكون مستعملًا في تجارته وصناعته حكم الكتاب والسنّة، ويشهد له العلم بسلامته وبراءة دينه من الخيانة والمكر في المعاملة، من الكذب والغبن في التجارة والصنعة، بالصدق والنصح في جميع ذلك وحتى يحل السبب المعتاض منهما، وكل تجارة وصناعة يخالف العبد فيها حكم الكتاب والسنّة فليست بتجارة ولا صناعة حلال، وإن كان الاسم موجودًا لعدم المعنى الذي تصح به الأسماء في الحكم، لأن وجود الأسماء فارغة لا يغني مع عدم صحة المعاني لموافقته شيئًا، فإذا كان ما يسميه الجاهلون تجارة وصناعة وما يسميّه المستحلون بيعًا وشراء ومعاملة، وهو غير موافق للعلم، فليس ذلك بتجارة ولا صناعة ولا معاملة، ولا يستحل به أكل الحلال لأنه باطل واسمه عند العلماء خيانة وخلابة، أو غيلة أو حيلة أو محاتلة، وهذه أسماء محرمة للمكاسب لفساد معانيها وعدم حقائقها يتعلق عليها أحكام مذمومة،، لا يحل بها أخذ لأن التسمية إلى العلماء من قبل، أن إيجاب الأحكام منهم يسمون على صحة المعاني بوقوع الأحكام إذا كانوا هم الحكام، فقد اعتزل هذا التصرف، وإن وجد فيه الاسم المبيح لفقد المعنى الصحيح، وهو حكم الكتاب والسنّة، فإن وجد الاسم بحقيقة المعنى حتى تسميه العلماء تجارة وصناعة، إلاّ أنهما لم يصادفا حكم اللّه تعالى فيه بالسلامة من الربا واجتناب البيوع الفاسدة، فهذا حرام أيضًا لعدم حكم اللّه عزّ وجلّ فيه بالإطلاق، وإن كان الشراء مباحًا وصودف الأحكام فيه إلاّ أنّ عين المأخوذ المعتاض حرام رأي عين أو خبر من صدق، فهذا الكسب حرام أيضًا لأنّا على يقين من وجود الحرام فيه حتى يصفو العوض المشتبه من عين الحرام بأحد معنيين: إما بيقين أنه حلال الأصل وحلال أصل الأصل، بأن لانعلم في عينه حرامًا رأيناه ولا أخبرناه، فيحل به حينئذًا أكل المال ونسميه مع ذلك شبهة، وهو شبهة الحلال إذ لسنا على يقين من حلاله، لا مكان دخول الحرام فيه لغلبة الأموال المأكلولة بالباطل وبالأسباب المكروهة من قبل الأجناد، ومن قلّة المتّقين واختلاط ذلك بالأملاك الصحيحة وبأموال التجار والصناع، فما كنا من حلاله على علم ظن سميّناه شبهة لفقد علم اليقين.