فينبغي للعبد أن يبتدئ بطلب الحلال فيكون هو همه وقصده، فيجعل ما استطاب من المكاسب وأعلى ما قدر عليه مما يسلم فيه، فيجعل ذلك لحاجة نفسه فيما يطعم ويلبس، ويجعل مادخل عليه من الشبهات مما في نفسه منه جزازات في مؤونة عياله وفيما يرتقق به من مؤونة البيت مما لا يطعم ولا يلبس، مثل الحطب والبز وأجرة البيت وما أشبه ذلك، وسنذكر تمثيل ذلك بصور الألوان حتى تعرفه، وفي هذه رخصة وله فيه مجاهدة وحسن نية ومعاملة إذا أخذ نفسه به وصبر عليه، وكان ذلك من باله وهمه فاحتسب في ذلك ما عند اللّه عزّ وجلّ، وتحرى بذلك لدين اللّه عزّ وجلّ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يشكر له سعيه، ويجزل عليه أجره، وهذا طريق يوصل إلى اللّه عزّ وجل وهو محجة كثير من السلف، ولو أنّ عبدًا شك في شيء فتحرز منه شكر اللّه له نيته، وإن كان قد أخطأ حقيقة الشيء عنده فكان الشيء حلالًا في علم اللّه عزّ وجلّ ولو أنه أقدم على شيء بقلّة مبالاة فلم يدعه، فتناول شيئًا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء نيته وقلة ورعه، وإن كان أصاب الحقيقة عند اللّه فهو أفضل وله أجران: أجر العلم ومقام التوفيق، ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند اللّه عزّ وجلّ فعليه وزران: وزر الجهل ونقص العصمة، ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر واحد، ومن عمل بجهل فأصاب الحقيقة فعليه إثم الجهل وهو معصوم في الفعل، وحكى وهب اليماني مما نقل من الزبور أنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى داود عليه السلام: قل لبني إسرائيل: إني لا أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي، ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي، وقد كان بعض العلماء يقول لأهله: أرفقوا بدهن المصباح فإنما توقدون بلحمي ودمي، قيل: وكيف؟ قال لأنكم توقدون من كسبي، وكسبي من ديني وديني من لحمي ودمي، وقد كان يقال: من تفقد من أين يكسب الدرهم تبصر أين يضعه، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه، وقد قال بعض العلماء لرجل رآه بطالًا وكان ذا عيال قال له: احترف فإنه إذا كان لك كسب أكل عيالك دنياك، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك، وروي أنّ بعض الزهاد وقعت منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له: أنت قد زهدت في الدنيا كلها وأنت تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال: إنّ طلبي هذه القطعة من زهدي في الدنيا لأني لا أعتاض منها غيرها، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل إلاّ من حيث أعلم، وقد كان بشر يقول: المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق إلاّ في الشهوات، وقال سري السقطي: لا يصبر على ترك الشبهات إلاّ من ترك الشهوات.
وفي الخبر أنّ رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه عنه فأعاد مسألته عنه فقال: إنّ لي غلامًا حجامًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنْ كان لا بدّ فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك.
وفي الخبر أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: لا تأكلوه، وفي خبر آخر: إن كان جامدًا فألقوها، وإن كان ذائبًا فاستصحبوا به، وعن جماعة من علماء الكوفة: لا بأس بشحوم الميتة تطلى بها السفن ويدبغ بها الجلود.