وكان يعد الأخلاق السنية الشريفة المحمودة ويحلف أنهم ما نالوها إلاّ بالجوع، قال أبو سعيد: معنى الجوع اسم معلق على الخلق افترقوا في الدخول فيه والعمل به لعلل كثيرة، فمنهم من يجوع ورعًا إذا لم يصب الشيء الصافي، ومنهم من وجد الشيء الصافي فتركه زهدًا فيه من مخافة طول الحساب والوقوف والسؤال، ومنهم من استلذ العبادة والنشاط بها والخفة فرأى النيل من الطعام والشراب قاطعًا له وشغلًا عن الخدمة والخلوة، ومنهم من قرب من اللّه عزّ وجلّ فلزم قلبه حقيقة الحياء حين علم أنّ اللّه تبارك وتعالى مشاهده، وكان الحياء مقامه لا غير، فتوهم أنّ اللّه تعالى يراه وهو يمضغ بين يديه ويأكل ويشرب فيؤديه ذلك إلى الكنيف فيجوع من هذه العين، وهكذا كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، ومنهم من أدركه السهو عن حاجاته فسلا عن نيل مصلحتين حتى يذكر في الغيب أو يذكر.
وقال أبو سعيد الخراز أيضًا: قال جماعة من الحكماء: إنّ اللّه تعالى لا يكلم أحدًا، وفي بطنه شيء من الدنيا؛ فهذا يدل على أمره لموسى عليه السلام، يقول: النيل ليلقاه خاليًا من الدنيا، وبنفس ساكنة عن المنازعة إلى شيء من الملك، وروح روحانية قد أحياها الحي لحياته فعند ذلك يصلح هذا الشخص لمخاطبته مثلًا بلا ترجمان.
وحدثني الحسن بن يحيى البستي عن ابن مسروق قال: لقيت سهل بن عبد اللّه، فلما دخلت عليه وبشرني وقبلني وكان في إرادة وتذلل فقلت له: أحبّ أن تصف لي بدايتك وما كنت تقوت به، فقال: في كل سنة ثلاثة دراهم؛ كنت آخذ بدرهم دبسًا، وبدرهم سمنًا، وبدرهم دقيق الرز، وأشوبه مخلصًا ثلاثمائة وستين أكرة آخذ ليلة أكرة أفطر عليها، فقلت: الساعة كيف تعمل؟ فقال: أكلًا بلا حدّ ولا توقيف.
وحدثونا في أخبار الملوك أنّ ملك الهند أهدى إلى المنصور تحفًا منها أنه وجه إليه بفيلسوف طبيب قال: فأنزله المنصور وأحسن إليه، فلما دخل عليه قال الفيلسوف: قد جئتك يا أمير المؤمنين بثلاث خصال يتنافس الملوك فيها لا نصنعها إلاّ لهم قال: وماهي؟ قال: أخضب لحيتك بسواد لا تنصل أبدًا ولا تتغير عن حالها، قال: وما الخصلة الثانية؟ قال: أعالجك بعلاج تتسع به في المأكل فتأكل أي شيء شئت فلا تتخم ولا يؤذيك الطعام، قال: وما الثالثة؟ قال: أقوّي صلبك بقوة تبسط إلى الجماع فتجامع ما شئت لا تملّ من ذلك ولا يضعف بصرك ولا ينقص من قوتك، قال: فأطرق المنصور ثم رفع رأسه إليه فقال: قد كنت أظن أنك أعقل مما أنت، أما السواد فلا حاجة لي به؛ فإن ذلك غرور وزور، والشيب هيبة ووقار، ولم أكن لأغير نورًا جعله اللّه تبارك وتعالى في وجهي بطلمة السواد، وأما ما ذكرت من الأكل فواللّه ما أنا بشره، وما لي في الاستكثار من الطعام حاجة، لأنه يثقل الجسم ويشغل عن النوائب وأقل شيء فيه كثرة اختلافي إلى الخلاء فأرى ما أكره وأسمع ما لا أحب، وأما ما ذكرت من النساء فإن النكاح شعبة من الجنون، وما أقبح بخليفة مثلي يجثو بين يدي صبية، ارجع إلى صاحبك مذمومًا مدحورًا فلا حاجة لي بما جئت به.