وقد روينا عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} الفلق: 3 قال: قيام الذكر، وقد أسند بعض الرواة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ أنه قال: الذكر إذا دخل، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: أعوذ بك من شرّ سمعي وبصري ولساني وقلب ومَنِيي وروينا عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهن أجمعين السلام أنهن كنّ يأكلن الخلّ والبرودات بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطعن به الشهوة، وروى بعض أشياخ الصوفية قال: اشتدت علي صفتي في بدء إرادتي بما لم أطق فكنت أضج إلى اللّه تعالى في كل وقت فرأيت شخصًا في النوم فقال لي: ما لك؟ فشكوت إليه، فقال: تقدم إليّ فتقدمت فوضع يده على صدري فوجدت بردها في فؤداي وجميع جسدي، قال: فأصبحت وقد انكشف مابي فبقيت معافى سنة، ثم عاودني ذلك بمثله أو أشد فأكثرت الضجيج إلى اللّه عزّ وجلّ فجاءني شخص في المنام قال: تحبّ أن يذهب ما تجد وأضرب عنقك؟ فقلت: نعم، فقال: مدّ رقبتك، فمددتها فجرد سيفًا من نور فضرب به عنقي، قال: فأصبحت وقد انكشف ما بي فبقيت معافى سنة، ثم عاودني بمثله من الاغتلام وأشدّ فرأيت شخصًا يخاطبني فيما بين صدري وثوبي: فقال ويحك كم تسأل اللّه تعالى رفع ما لم يحبّ رفعه؟ قال: فتزوجت فانقطع عني ولم يعاودني، فكان ذلك سبب ذريته وولد له، فإذا كان العبد ناسيًا لجوعه ذاكرًا لربّه عزّ وجلّ فهو يشبه الملائكة، وإذا كان شبعان مهمومًا في طلب الشهوات فهو أشبه بالبهائم.
ويقال إنّ الجوع ملك والشبع مملوك، إنّ الجائع عزيز والشبعان ذليل، وقيل: الجوع عزّ كله، والشبع ذلّ كله، وقال بعض السلف: الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد، والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة.
وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ لكل شيء بابًا، وباب العبادة الصوم، والخبر المشهور: صوموا تصحوا فصحة القلوب من علل الرؤوس أعلى وأحسن من صحة الأجسام من علل الأسقام.
وقد روينا عن عائشة رضي اللّه عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم، قلت: وكيف نديم قرع باب الجنة يا رسول اللّه؟ قال: بالجوع والظمأ، وقد نوّع أبو سعيد الخراز مقامات أهل الجوع في مقاصدهم عن مواجيدهم وهممهم، فحدثني الجهضمي عن أحمد بن شاكر قال: سمعت أبا سعيد يقول: سمعت الثقة من علمائنا يقول عن عبد الواحد بن زيد: إنه كان يقسم باللّه ما صافى أحد إلاّ بالجوع، ولا مشوا على الماء إلاّ بالجوع، ولا طويت لهم الأرض إلاّ بالجوع.