وحدثونا عن بعض هذه الطائفة قال: أتيت قاسمًا الجوعي فسألته عن الزهد أي شيء هو؟ فقال لي: أي شيء فيه؟ فقلت: قالوا الزهد قصر الأمل، فقال: وأي شيء سمعت فيه؟ فقلت: قالوا الزهد ترك الادخار، فقال: حسن؛ حتى عددت عليه أقوالًا فسكت، فقلت: أي شيء تقول أنت؟ فقال: أعلم أنّ البطن دنيًا العبد وبمقدار ما يملك من بطنه يملك من الزهد، وبمقدار ما يملكه بطنه تملكه الدنيا، وعلى هذا المعنى قال وهب بن منبه حكيم هذه الأمة: لكل شيء وسط وطرفان، فإذا أمسكت أحد الطرفين مال الآخر، وإن أمسكت الوسط اعتدل الطرفان، فكذلك البطن وسطًا بين الجوارح إن امسكتها اعتدلت الأطراف السمع والبصر واللسان والفرج والرجلان، وكذلك كان شيخنا ابن سالم يقول: إذا أعطيت البطن حظه من الشبع طلبت كل جارحة حظها من اللهو فجمحت بك النفس إلى الهلكة، وإذا منعت البطن حظه قصرت عنك كل جارحة عن حظها فاستقام القلب لذلك.
وكان بشر بن الحارث قد اعتل فسأل عبد الرحمن المتطبب عن شيء يوافقه من المأكول فقال له عبد الرحمن: تسألني؟ فإذا وصفت لك لم تقبل مني، فقا له بشر: صف لي حتى أسمع، فقال: تحتاج تستعمل ثلاثة أشياء، فإن فيهنّ صلاح جسمك، قال: ما هنّ؟ قال: تشرب سكنجبينًا وتمص سفرجلًا وتأكل بعد ذلك إسفيذاجًا، فقال له بشر: تعلم شيئًا أقل شيء من السكنجبين يقوم مقامه؟ قال: لا، قال: فأنا أعرف، قال: وما هو؟ قال: الهندبا بالخل يقوم مقامه فتعرف شيئًا أقل ثمنًا من السفرجل يقوم مقامه قال: لا قال: فأنا أعرف قال: ما هو؟ الخرنوب الشامي؟ قال: تعرف شيئًا أقل ثمنًا من الاسفيذاج يقوم مقامه؟ قال: أما هذا فلا، قال: بلى، قال: ما هو؟ قال: ماء الحمص بسمن البقر في معناه، فقال له عبد الرحمن: فأنت أعلم مني بالطب فلِمَ تسألني؟.