قال تعالى مبينا الحكم فيما تقدم من النفقات"إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ"فتعطوها جهارا علنا"فَنِعِمَّا هِيَ"الخصلة الحميدة فيها"وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ"سرا عن الناس"فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ"من الجهر لمظنة الإخلاص ودفع خواطر الرياء والسمعة ، لما فيها من الستر على الفقير وخاصة المتعفّف ، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الإخفاء أفضل وإن كان الأمران جائزان إذ قد بوجد من هو محتاج للنفقة ولا يقبلها علنا خوف الفضيحة أو حياء من أن يطلع الغير على حاجته لها ، فإعطاؤها له سرا فيه جبر لخاطره وسد لخلته وصيانة لماء وجهه ، وفيها كرامة للمتصدق أيضا ، وفضيلة له وبعدا عن شوائب المنّ والأذى ، لأن من يتصف بهاتين المثلبتين لا يتصدق سرا.
واعلم أن نفقة السر على الوجه المار ذكره فيها فضيلة أخرى بينها تعالى بقوله"وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ"بمقابل إخفائكم صدقاتكم بقصد أخذها عن طيب نفس كإعطائها عن طيب نفس وأجرها عند اللّه أكبر من الصدقة العلنية"وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) "لا يخفى عليه تصدقكم ونيتكم فيه.
وتؤذن هذه الآية بأن النفقات يثاب عليها صاحبها أخفاها أم أعلنها إذا صلحت النية إلا أن الإسرار بها أحسن ، وتشير إلى أن المرء فِي أعماله وأقوله وأفعاله مراقب من قبل ربه فليحرص على أن تكون حالاته كلها خالصة له ، وإلى أن النية متى خلصت فِي العبادة فإظهارها وإخفاؤها سواء لا يحط
من قيمتها ولا ينقص من ثوابها.