قوله: (وإن لم يكن) أي الاستدعاء مقابل قوله على سبيل الوجوب. قوله: (بأن جوز الترك) أي مع رجحان الفعل. قوله: (فظاهره) أي التعريف وإنما قال ظاهره لاحتمال أن يكون هذا التعريف تعريفًا للأمر الواجب فقط ولا ينافي أن هناك تعريفًا له للأمر المندوب قال في جمع الجوامع: والجمهور قالوا إن الأمر حقيقة في الوجوب فقط لغة أو شرعا أو عقلا. ووجه الأول أن أهل اللغة يحكمون باستحقاق العبد بمخالفة أمر سيده العقاب وما ذلك إلا بترك الواجب. ووجه الثاني أن صيغة الأمر في اللغة لمجرد الطلب وأن جزمه المحقق للوجوب بأن يترتب على تركه العقاب إنما يستفاد من الشرع في أمره أو أمر من أوجب طاعته لقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: الآية 63] فإن المفهوم منه التهديد على مخالفة الأمر وإلحاق الوعيد بها فيجب أن تكون مخالفة الأمر حرامًا وتركًا للواجب فيلحقه بها الوعيد والتهديد ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» فإنه يدل على أن المراد بالأمر هو الوجوب لأن المشقة إنما تلحق به لا بالندب. ووجه الثالث أن ما يفيده الأمر لغة من الطلب يتعين أن يكون للوجوب لأن حمله على الندب يصير المعنى افعل إن شئت وليس هذا القيد مذكورًا وقوبل بمثله في الحمل على الوجوب فإنه يصير المعني افعل من غير تجويز ترك وأما على سبيل المجاز فيستعمل للندب لوجود قرينة تدل عليه ولغير الندب على ما يأتي. واعلم أن الأمر النفسي المدلول عليه بالقول غير الإرادة لأنه تعالى أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان ولم يرد منه لامتناعه خلاقا للمعتزلة فإنهم لما أنكروا الكلام النفسي ولم يمكنهم إنكار الاقتضاء المحدود به الأمر قالوا إنه الإرادة.
قوله: (إنه) أي الاستدعاء المجوز ترکه. قوله: (ليس بأمر) أي وإلا لاستحق العقاب تارکه لقوله تعالى: {أفعصيت أمرى} [طه: الآية 93] فإنه أسند العصيان للأمر فيكون تارکه عاصيًا يستحق العقاب فيلزم أن المسنون مفروض وهو باطل.
قوله: (أي في الحقيقة) دفعًا لما يرد على مقتضى كلامه أن غير الجازم لا يسمى أمرًا أصلًا وليس كذلك. فأجاب بأن المنفي في كلامه الأمر الحقيقي ولا ينافي أن غير الجازم أمر مجازي.
ص 96