الاجتهاد والحكم. والظاهر أن أحد الأجرين على مجرد الاجتهاد ولكنه يزيد بانضمام الحكم إليه. وقد يقال يؤجر على قصد الحكم بالحق. فإن قلت قد ينافي هذا الحديث الحديث الذي رواه الحاكم وهو «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد، وإن أصاب فله عشرة أجور» . قلنا: لا منافاة لأن الإخبار بالقليل لا ينافي الكثير ولجواز أنه أعلم أولًا بالأجرين فأخبر بهما، ثم بالعشرة فأخبر بهما، أو أن الأجرين يساويان العشرة. فإن قلت: العشرة يصح أن تجعل أجرًا واحدًا أو اثنين فما فائدة جعلها عشرة. قلت: يجوز أن تكون أنواعًا من الثواب مختلفة يبلغ عددها هذا المقدار فنبه بذكر هذا العدد على ذلك واعترض هذا الدليل بأمور: الأول أن هذا الحديث آحاد والمسألة أصولية قطعية. الثاني أنه إن سلم أن هذا الحديث ليس أحادًا بل متواترًا فلا نسلم دلالته على المطلوب لأنها قضية شرطية وهي لا تقتضي الوقوع ولا إمكانه. والثالث ولئن سلمنا أنها تقتضي الوقوع ولكن هذا الدليل يجري أيضًا على القول الأول وهو القول بأن كل مجتهد مصيب لأنه يتصور فيه الخطأ أيضًا وذلك عند عدم استفراغ الوسع فإن كان ذلك مع العلم بالتقصير فهو مخطاء آثم وإن كان بدون العلم به فهو مخطاء غير آثم فلعل هذه الصورة المرادة بالحديث فلا يكون الحديث دليلًا على أن الحق واحد والمجتهد قد يخطاء وقد يصيب. وأجيب عن الأول بأن الحديث وإن كان آحاد، لكنه في معني المتواتر لورود معناه من طرق كثيرة كما تقدم لك من الروايات وإلا لم يصح الاستدلال به على الأصول كما قالوا وقد يقال أي ضرورة الاشتراط القاطع في هذه المسألة والمسائل الأصولية قد تكون ظنية وأجيب عن الثاني بأنه قد تقرر في علم المعاني أن أصل إذا الجزم بوقوع الشرط في اعتقاد المتكلم بخلاف إن. وقد ورد التعبير بإذا في بعض الروايات كما في رواية البخاري السابقة فيحمل عليها غيرها مما عبر فيه بما لا يفيد الوقوع. فإن قلت حمل غيرها عليها ليس بأولى من العكس فلا بد من مرجح. قلت المرجح ظهور أن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام تعليم الأمة بحكم الشرع فلولا أن هذا الشرط ممکن الوقوع بل يقع بالفعل لما كان للاهتمام ببيان هذا الحكم فائدة معتد بها وذلك لا يجوز في حقه عليه الصلاة والسلام. وإمكان الوقوع واللاوقوع يستلزم اتحاد الحق إذ لو تعدّد الحق لما أمكن وقوع الخطأ، واتحاده يستلزم وقوع الخطأ بالفعل ضرورة اختلاف المجتهدين بالفعل في القضية الواحدة على وجوه كثيرة. وأجيب
ص 31 (8) ...