ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب، ولا يجوز كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلال والمجوس والكفار والملحدين.
(ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب) بناء على أن حكم الله في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده، (ولا يجوز) أن يقال (كل مجتهد في الأصول الكلامية) أي العقائد (مصيب) لأن ذلك (يؤدي إلى تصويب أهل الضلال) من النصارى في قولهم بالتثليث، (والمجوس) في قولهم بالأصلين للعالم النور والظلمة، (والكفار) في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والمعاد في الآخرة،
(والملحدين) في نفيهم صفاته تعالي کالكلام وخلقه أفعال العباد وكونه مرئيًا في الآخرة وغير ذلك.
قوله: (ومنهم) أي الأصوليين كالأشعري والقاضي وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة وابن سريج. قوله: (في الفروع) أي الاجتهادية التي لا قاطع فيها. قوله:
(مصيب) واحتجوا عليه بوجهين: الأول أن الحق عند الله متعدد لأنه لو لم ينعدد لزم تکليف ما لا يطاق لأن المجتهد مكلف بإصابته الاجتهاد على الصواب إذ لا فائدة في الاجتهاد سواه فلو كان الحق واحدًا كان مكلفا بإصابته بعينه وذلك ليس في وسعه لغموض طريقه وخفاء دليله فيجب أن يكون الحق بالنسبة إلى مجتهد ما أدى إليه اجتهاده ورد بمنع أن المجتهد مكلف بإصابة الحق بالاجتهاد لأنه ليس في وسعه بل هو مكلف باستفراغ الوسع برعاية شرائطه سواء أدى إلى ما هو الحق عند الله أو لا والتكليف به يفيد الأجر ووجوب العمل بموجبه فلا يلزم العبث ولا يقال إن المجتهد مأمور بما أتى إليه اجتهاده وكل ما كان كذلك فهو حق فيلزم تعدد الحق لأنا نقول يكفي في المأمور به کونه حقًا بحسب الدليل وظن المجتهد وإن كان خطأ عند الله كما لو قام نص على خلاف رأيه لكنه لم يطلع عليه بعد استفراغ الجهد في الطلب فإنه مأمور بما أدى إليه ظنه وإن كان خطأ لقيام النص على خلافه و أيضًا الحكم له أمارة يمكن الاطلاع عليه فهو في وسعه في الجملة. والوجه الثاني القياس على القبلة للمصلي فإنها متعددة اتفاقًا في حق المجتهدين فيها بدليل أنهم مأمورون باستقبالها فلو لم يكن جميع الجهات التي أدى إليها اجتهادهم قبلة لما تأدى فرض المخطاء منهم واللازم باطل بدليل أنهم لا يؤمرون بالإعادة ورد بأن عدم إعادة المخطاء لأن الكعبة غير مقصودة إلا أن الشارع جعلها وسيلة للمقصود وهو وجه
الله تعالى فأقيمت غلبة
ص 311 ...