وأما العلل العقلية فالصحيح القطع بامتناعه عقلا للزوم المحال من وقوعه وهو الجمع بين النقيضين لأن الشيء بإسناده إلى واحدة من العلتين يستغني عن الأخرى فيلزم أن يكون مستغنيا عن كل منهما وغير مستغني عنه وذلك جمع بين النقيضين ويلزم أيضا تحصيل الحاصل في التعاقب حيث وجد بالثانية نفس الموجود بالأولى
قوله: (والعلة هي الجالبة للحكم) أي لا من حيث نفسه بل من حيث العلم بحصول تعلقه التنجيزي فمتى عرفت عرف وجود الحكم معها وهو معنى قول أهل الحق العلة هو المعرف للحكم فمعني کون الإسكار علة أنه معرف أي علامة على حرمة المسكر كالخمر والنبيذ وحكم الأصل ثابت بها لا بالنص خلافا للحنفية في قولهم بالنص لأنه المفيد للحكم. قلنا: لم يفده بقيد کون محله أصلا يقاس عليه والكلام في ذلك والمفيد له هو العلة إذ هي منشأ التعدية المحققة للقياس. قال السعد في الحواشي: ليس معني کون الوصف معرفا للحكم أنه لا يثبت الحكم إلا به كيف وهو حكم شرعي لا بد له من دليل شرعي نص أو إجماع بل معناه أن الحكم يثبت بدليل فيكون الوصف أمارة لها يعرف أن الحكم الثابت حاصل في هذه المادة. مثلا إذا ثبت بالنص حرمة الخمر وعلل بكونه مائعا أحمر يقذف بالزبد كان ذلك أمارة على ثبوت الحرمة في كل ما يوجد فيه الوصف من أفراد الخمر، وبهذا يندفع ما قيل إن في هذا التعريف دورا وبيان ذلك أن كون العلة أمارة للحكم يقتضي أن لا فائدة لها إلا تعريف الحكم وحينئذ إنما يعرف الحكم بها إذا لم يكن معلوما أو منصوصا أو مجمعا عليه وإلا فلا حاجة للعلة حينئذ ولا تكون العلة أمارة إلا إذا كانت مستنبطة فيجيء الدور لأن المستنبطة لا تعرف إلا بثبوت الحكم فلو عرف ثبوت الحكم بها لزم الدور. وحاصل الدفع أن العلة تتوقف على العلم بشرعية الحكم بدليله والمتوقف على العلة هو ثبوت الحكم في المواد الجزئية. قوله:
بمناسبتها له) أي بسبب أن بينهما مناسبة تقتضي ارتباطا بينهما واجتماعا في الحصول ولو باعتبار مجرد أن الشارع نصبها علامة عليه فيعلم حصول الحكم وتحققه في محل تتحقق العلة فيه وقد عرفت معنى المناسبة مما مر. وقالت المعتزلة إن العلة هي المؤثرة بذاتها في الحكم. وقال الغزالي بإذن الله لا بالذات. وقال الآمدي هي الباعثة عليه وقال إنه مراد الشافعية في قولهم الأصل ثابت بها أي إنها باعث عليه. وقال ابن السبكي ونحن معاشر الشافعية إنما نفسر العلة بالمعرف ولا نفسره بالباعث أبدا ونشدد النكير على من
ص (276)