أتي بالعناية لأن صاحب الشريعة حقيقة هو الله فإطلاقه عليه صلى الله عليه وسلم مجاز والقرينة استحالة الفعل المنقسم إلى ما يأتي في حقه تعالى وينبغي أن يراد بالفعل هنا ما يشمل فعل اللسان وهو القول بل يمكن أن يشمل فعل القلب هكذا قاله سم وفيه أن بحث أقواله صلى الله عليه وسلم سيأتي فلا يحتاج إلى شمول الفعل له إلا أن يقال إن المراد هنا حكم نفس فعله بخلاف ما يأتي فإنه في حكم ثبوته بالآحاد أو بالتواتر وبيان ما يعمل به وما لا يعمل به فلذا يحتاج إلى شمول الفعل له هنا. قوله: (لا يخلو إما أن يكون الخ) هذا بيان لحصر فعله ليرتب عليه الأحكام الآتية. وحاصله أنه لا يخلو فعل صاحب الشريعة من أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا لا يؤدي إلى إزالة الحشمة وإسقاط المروءة لعصمته عليه الصلاة والسلام أيضا عن المباح المؤدي إلى ذلك وعلى كل إما أن تشاركه فيه أمته أو يختص به وبين جميع ذلك بقوله: إما أن يكون على وجه القربة الخ، وفي هذا الحصر نظر لأنه يبقى عليه ما هو متردد بين الطاعة وغيرها كالحج راكبا فإنه متردد بين الجبلي والشرعي. ويجاب بأن هذا التردد ناشيء من قولنا في تعارض الأصل والظاهر يحتمل أن يلحق بالجبلي لأن الأصل عدم التشريع فيكون غير طاعة ويحتمل أن يلحق بالشرعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات فيكون طاعة فلم يخرج منهما. قوله: (على وجه القربة) الإضافة للبيان وبين القربة والطاعة يحتمل الترادف فيكون من عطف التفسير ويحتمل خلافه وقد قال بعضهم الطاعة غير القربة والعبادة لأن الطاعة امتثال الأمر والنهي والقربة ما يتقرب به بشرط معرفة المتقرب إليه والعبادة ما يتعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود فأعم الجميع الطاعة لأنها تنفرد في النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى فإنه طاعة للأمر به بقوله تعالى: فاعتبروا [الحشر: الآية (2) ] وليس عبادة ولا قربة لعدم وجود معرفة الله حينئذ إذ معرفته تعالى بتمام النظر وتليها القربة لانفرادها فيما لا يحتاج إلى نية كالعتق والوقف إذا عرفت ذلك فالمراد بالقربة في كلام المصنف المندوب والواجب وكذا المراد بالطاعة الصدق تعريفهما عليهما فيجتمعان فيهما ولعل من جعل الترادف بينهما نظر إلى هذا أعني تصادق تعريفهما فيهما.
قوله: (أو لا يكون هذا مقابل لإما وسيأتي في كلام المصنف هذا المقابل وهو قوله فإن كان على وجه غير وجه القربة الخ وكأن الشارح جعل ما يأتي بيانا لحكم هذا المقابل لأنه لما كان معطوفا بالفاء لا يصح أن يجعل مقابلا لإما. ص(176)