فأولت الحنفية على اعتبار ستين مدا وذلك بأن يقدر مضاف كأن يقال إطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا فيجوز إعطاء الستين لمسكين واحد لأن القصد بإعطائه رفع الحاجة وهو حاصل بالدفع إليه ووجه بعد هذا التأويل أنه اعتبر فيه ما لم يذكر من المضاف وألغى ما ذكر من عدد المسكين الظاهر قصده لفضل الجماعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن.
قوله: (ويسمى ظاهرا بالدليل) يفهم منه أنه يشترط في الدليل أن يصير المرجوح راجا به لأن ما لا يصيره الدليل راجا لا يصيره ظاهرا فلا يكفي الدليل المرجوح أو المساوي فالتأويل بهما تأويل فاسد وهو ما جرى عليه العضد كغيره وقضية كلام جمع الجوامع أنه لا يشترط في التأويل الصحيح أن يكون الدليل مما يصيره راجحا. قوله: (أي كما يسمى مؤولا) دفع بهذا ما قد يتوهم أن الظاهر بالدليل غير المؤول المشهور. فأجاب بأن الظاهر بالدليل هو نفس المؤول فهما مترادفان على معنى واحد وكلامه لا يشمل حمل المشترك على أحد معنييه أو معانيه بدليل راجح مع أن الذي ينبغي أن يسمى أيضا ظاهرا بالدليل فليتأمل. قوله: (ومنه) أي من الظاهر المؤول بالدليل الذي يسمى ظاهرا بالدليل. قوله: (قوله تعالي) أي لفظ أيد منه فإنه محتمل لأمرين لليد الجارحة وللقوة والقدرة والأول غير مراد بدليل استحالته عليه تعالي. واعلم أنه إذا ورد في كتاب أو سنة ما يوهم أنه تعالى له وجه أو يد أو نحو ذلك مما هو من أمارة الحدوث فلا بد من تأويله أي صرفه عن ظاهره وهذا محل وفاق من السلف والخلف غاية الأمر أنهم اختلفوا في تعيين المعنى المراد فالسلف لا يعينونه بل يفوضونه الله تعالى فيقولون في نحو قوله تعالى: ويبقى وجه ربك [الرحمن: الآية ] ، وقوله تعالى: يد الله فوق أيديهم [الفتح: الآية 1?] ليس له وجه كوجوهنا ولا يد کيدنا ولا يعلم المراد من ذلك إلا الله تعالى والخلف يعينونه فيقولون فيما ذكر ليس له وجه كوجوهنا ولا يد کيدنا والمراد من الوجه الذات ومن اليد القدرة وهذا هو المراد من قول صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها كما يؤخذ من شرحها للشيخ عبد السلام وإن كان المتبادر من البيت خلافه فإن المتبادر من البيت أنه يفوض من غير صرف عن معناه المتبادر حيث عطف التفويض على التأويل. قوله: (فصرف إلى معنى القوة) أي جريا على مذهب الخلف دون مذهب ص (172) ...