ثم إن هذا الخلاف في جوازه وعدم جوازه لا في وقوعه وعدمه للاتفاق على عدم وقوعه لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . قوله: (والصبي) أي ولو مميزا والمجنون غير داخلين في الخطاب لرفع القلم عنهما وقوله: غير داخلين خبر عن قوله: الساهي وما عطف عليه وكذا السكران الذي لم يتعد والمغمي عليه لأن القصد بالتكليف إتيان المكلف بما كلف به امتثالا وهو لا يكون إلا من العالم به ولا علم لهما. فإن قلت: يشكل على ما ذكره من عدم دخول الصبي في الخطاب قوله تعالى: {يأيها الذين امنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم} [النور: الآية 58] الخ، فإن فيها خطاب الصبيان بالاستئذان في الدخول. قلنا: يمكن أن يجاب بأنه يجوز أن يكون المراد بها أمر المؤمنين بأن يرشدوا القاصرين لذلك بدليل تصديرها بخطاب المؤمنين فلا إشكال لأن المراد بدخوله في الخطاب كونه مأمورا أو منها أو مأذونا والصبي ليس كذلك. قوله: (لانتفاء التكليف عنهم) فإن قلت هذا التعليل أخص من المدعي لأن انتفاء التكليف هو انتفاء الإيجاب والتحريم بناء على الراجح من أن التكليف إلزام ما فيه كلفة الصادق بالإيجاب والتحريم والمدعي أعم من ذلك ويجاب بأنه إذا انتفى ما هو أشق فلأن ينتفي الأخف من باب أولى ومن ثم أطلق على الجميع خطاب التكليف وما وجب في مال الصبي والمجنون کالزكاة وضمان المتلف فإنما المخاطب به حالة الصبا والجنون الولي كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها لتنزيل فعلها في هذه الحالة منزلة فعله وصحة عبارة الصبي كصلاته وصومه المثاب عليهما ليس لكونهما مأمورا بهما كما في البالغ بل ليعتادهما فلا يتركهما بعد بلوغه إن شاء الله. فإن قلت: إن الأولياء قد أمروا بأمر الصبيان بالصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام: «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» وأمر الشخص بأن يأمر غيره أمر لذلك الغير، ولهذا كنا مأمورين بأمر الله تعالى حيث أمر رسول الله له أن يأمرنا. قلنا: الصحيح عند الأصوليين أن أمر الشخص بأن يأمر غيره ليس أمرا لذلك الغير وإلا كان قولك للغير مر عبدك ليفعل كذا أمر العبد الغير واللازم باطل اتفاقا. وأجابوا عما ذكر بأنه للقرينة الدالة عليه وهي العلم بأنه مبلغ عن الله تعالى. فإن قلت: يشكل أيضا على عدم خطابه أن صلاته توصف بالندب لأن ندبه إن كان بالنسبة إليه لزم أن يكون مخاطبا أو بالنسبة إلى الولي فكذلك لأن المطلوب من الولي إنما هو التحريض والأمر لا نفس
ص 113