د. وفيه الترحيب بالقادم والأنس له، والطمأنة لمستقبله، فهو في أمن وسلام، وفى خير وعافية، ظاهرًا وباطنًا [1] . لذلك أمر الله تعالى بالسلام على أهل البيت قبل الدخول عليهم، وسمى ذلك استئناسًا، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها} (النور: 27) . وأصل الاستئناس: طلب الأُنس الذي هو ضد الوحشة ولما كان المستأْذن يريد باستئذانه أَن يأْنس به أَهل البيت ولا يستوحشوا منه فيأْذنوا له [2] . فكأن أهل هذا البيت يحصل لهم الأنس بسلام هذا الذي يدخل إليهم، فلا يستوحشون بدخوله؛ لأنه قد أعطاهم الأمان فأمنوا مكره وأذاه وغشه.
وفي الحديث أن رجلًا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت فقال: أَلِجُ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخادمه:"اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل؟"فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخل" [3] ."
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من يأتي إلى مجلس قوم أن يسلّم عليهم، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، مرفوعًا:"إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة" [4] . وطلب الإسلام من الرجلين فأكثر إذا التقوا، أن يسلم بعضهم على بعض، وجعل أفضلهم الذي يبدأ بالسلام، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، مرفوعًا:"إنَّ أولى النَّاسِ بالله مَنْ بَدَأهُمْ بِالسَّلام" [5] .
لكن الأصل في السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، كما في حديث أبي هريرة، مرفوعًا:"يسلم"
(1) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 4/ 196.
(2) مفاتيح الغيب، الرازي، 23/ 356؛ لباب التأويل، الخازن، 3/ 290؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 6/ 1393.
(3) سنن أبي داود، أبواب النوم، باب كيف الاستئذان، 4/ 345/5177. وقال الألباني: إسناده صحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة، 2/ 461/818.
(4) صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب إفشاء السلام وإطعام الطعام، ذكر الأمر بالسلام للمرء عند الانتهاء إلى نادي قوم مع استعماله مثله عند رجوعه عنهم، 2/ 248/495. وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
(5) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في فضل من بدأ السلام، 4/ 351/5197. وقال الألباني: صحيح.