الصفحة 24 من 116

قال له ابنُ خالويه: إنّما يقالُ شَجاهُ لا أَشْجاه، تَوهَّمَه فعلًا ماضيّا. فقال له المتنبّيّ: اسكتْ فما وصَلَ الأمرُ إليك. وجرى بينه وبين الفارسيّ كلامٌ فقال ابنُ خالويه: نتكلّمُ في كتاب سيبويهِ؛ فقال له الفارسيّ: لا بل نتكلّمُ في الفصيحِ. ولأبي عليّ الفارسيّ في تغليطهِ كتابُ نَقْضِ الهاذُور. قلت: وأنتَ إذا وقفتَ على ضعفه [1] في العربيّة وقفتَ على سرِّ الحكاية المشهورة عنه، وأنّها ليستْ مِن هَضْم النّفسِ في شيءٍ، وهي أنّه قالَ له رجلٌ: أَشتهي أن أتعلّمَ من العربيّة ما أُقيمُ به لساني، فقال: أنا منذ خمسينَ سنةً أتعلّمُ النّحوَ فما تعلّمتُ ما أُقيمُ به لِساني) [2] .

قد كانتْ لابنِ خالويهِ مع المتنبِّيّ عند سيفِ الدّولة ابنِ حمدان عدّةُ مجالسَ [3] ،عُقِدَتْ فيها مناظراتٌ علميّةٌ، وحَصَلَتْ بسببها بينهما مُنافَراتٌ، ومُنازَعاتٌ. فوقعَ يومًا بين المتنبّيّ وابنِ خالويهِ النّحويّ كلامٌ، فوثبَ ابنُ خالويهِ على المتنبِّيّ، فضربَ وجهَهُ بمفتاحٍ كانَ بيدهِ، فشَجَّهُ، فخرجَ ودمُهُ يسيلُ على ثيابهِ، فغضبَ المتنبِّيّ، وفارقَ سيفَ الدّولة ابنَ حمدان إلى مصر سنة أربع وخمسين (354 هـ) ،واِمتدَحَ كافورًا الإِخْشِيديّ [4] ،وأقامَ عنده أربعَ سنين.

(1) - أبى في أعيان الشّيعة (5/ 419) تضعيفَهُ في العربيّة، مُعلِّلًا ذلك بأنّه لم يقمْ على ذلك شاهِدٌ، وما حَكَى عن نفسهِ بقوله: (أنا منذ خمسين سنةً أتعلّمُ النّحوَ فما تعلّمتُ ما أُقيمُ به لساني) ،لا يخرجُ عن هضمِ النّفسِ، أو بيانِ سعةَ العربيّة، وتَوهُّمُهُ أنّ أشجاهُ فعلٌ ماضٍ في حكايتهِ مع المتنبّيّ لا تدلُّ على ضعفهِ في العربيّةِ فالضّعفُ فيها يكونُ بجهلِ بعضِ أحكامِها لا بالاشتباهِ في كلمةٍ. اهـ بشيءٍ من التَّصرُّفِ.

(2) - الفلاكة والمفلوكون (ص 101 - 102) .

(3) - ذلك أنّ سيفَ الدّولة كانَ له مجلسٌ يَحضرُهُ العلماءُ كلَّ ليلةٍ يتكلّمونَ بحَضرتِهِ.

(4) - هو كافورُ بنُ عبد اللهِ الإِخْشيديّ أبو المسكِ الأميرُ المشهورُ صاحبُ المتنبّيّ، مَلَك مصر (سنة 355 هـ) .وكانَ فَطِنًا ذكِيًّا حَسَن السّياسةِ، أخبارُه كثيرةٌ (ت:357 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت