عقوبات قاسية بسبب برنامجها النووي، أخذ يستنزف القوة الإيرانية في حرب متعددة الجبهات ويهدد إنجازاتها وفوق ذلك، لا تبدو إيران مهيأة للعب دور قوة إقليمية مهيمنة، كما كان يبدو قبل الثورات العربية، حتى في ظل تقارب من الولايات المتحدة، وذلك لأسباب بنيوية منها أن الناتج الإجمالي القومي لإيران ذات الثمانين مليونا - بحسب إحصاء 2013 - لا يتجاوز (350) مليار دولار، الأمر الذي يجعلها في المرتبة الثانية والثلاثين على مستوى العالم، حيث تسبقها دول صغيرة مثل فنزويلا وكولومبيا وتايلاند والإمارات العربية المتحدة على التوالي، فيما يبلغ ناتج السعودية ضعف الناتج الإيراني، وذلك بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2013 (1)
فضلا عن ذلك، تقع إيران من الناحية الجيوسياسية على أطراف المنطقة، بخلاف ترکيا مثلا الأقرب إلى المركز، وتبدو محاطة ببيئة غير صديقة، فهي إن حاولت التوجه سعيا وراء النفوذ إلى آسيا الوسطى مثلا سوف تكون روسيا لها بالمرصاد، أما شرقا فهناك أفغانستان التي لا يوجد فيها ما يغري، فيما لا تشكل باکستان صديقة يمكن الركون إليه، لذلك تجد إيران نفسها منجذبة دائما إلى العرب، لكن هنا أيضا تصطدم بالعرب المختلفين بالقومية واللغة والمذهب، والمستعدين دائما لمقارعتها وصد نفوذها، خاصة بعد موقفها من الأزمة السورية، وقد أبدوا كل الاستعداد لذلك في السنوات الأخيرة. صحيح أن إيران تبدو إقليمية الأكثر نشاطا وحيوية، إلا أن هذا النشاط يشكل في العمق نقطة ضعف إيران الأبرز، فهذا الدور لا يشتت قوتها ويستنزف مواردها فحسب، بل يضعها في صدام مع معظم قوى الإقليم، العرب والأتراك والباكستانيين، فضلا عن الغرب الذي لا ينظر بارتياح إلى الدور الإيراني. كل هذا يجعل إيران دائما في وضع دفاعي.
من هنا تبدو إيران مدركة حدود قوتها، ويمكن ملاحظة ذلك في التناقض الظاهر بين خطابها وسلوكها. ففيما كانت تصريحات المسئولين الإيرانيين، خصوصا في عهد (أحمدي نجاد) ، تعد العام لسيناريو قيام الساعة، كانت تصرفاتهم في السياسية الخارجية محسوبة بدقة فائقة، فقد قاموا بدعم أطراف ثالثة مثل (حزب الله) و (الحوثيين) ، وبإرسال مستشارين ومعونات ودعم عسکري إلى مختلف أنحاء المنطقة لبناء نفوذ هنا وهناك، لكنهم كانوا حذرين
(1) تقديرات صندوق النقد الدولي للناتج الإجمالي لدول العام للعام 2013، المصدر: