فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 281

وفي مرحلتها الثانية عملت طهران على تحييد العراق واحتوائه من خلال اتفاقية الجزائر لعام 1975، وتعزيز العلاقات بإسرائيل ونظامي حافظ الأسد في سوريا وأنور السادات في مصر. وباستثناء تغير العلاقة بمصر وإسرائيل، سارت الثورة الإيرانية على النهج ذاته. أما في لبنان فقد استثمرت طهران في بناء (حزب الله) كذراع عسكرية، انحصر نشاطها في تحقيق مصالحها وتحويلها إلى جزء فاعل في ميزان القوى العربي - الإسرائيلي. إلا أن إيران لم تنجح مع ذلك في تشكيل النظام الإقليمي ورسم مستقبل المنطقة بعد انتهاء الحرب البادرة، بسبب سياسة الاحتواء المزدوج التي فرضتها واشنطن عليها وعلى العراق. فوجدت إيران نفسها مستبعدة من اتفاق الطائف اللبناني ومن عملية السلام التي أطلقها مؤتمر مدريد، فلجأت إلى وسائل العنف التأكيد وجودها والحيلولة دون تهميش دورها، فجهدت لتخريب مفاوضات السلام مع إسرائيل، عبر استخدام (حزب الله) والفصائل الفلسطينية المعترضة على النهج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن كل ذلك لم يجد بفك العزلة عنها وإشراكها في عملية تشكيل نظام ما بعد الحرب الباردة إقليمية إلى أن لاحت الفرصة مجددا بعد سبتمبر 2001 م. وعلى الرغم من أن إيران كانت في وضع جيوستراتيجي ضعيف عموما، إلا أنها شهدت حالة صعود في قوتها مستفيدة من الغزو الأميركي للعراق عام 2003 م. فقد أدى الاحتلال إلى تفكيك الدولة وحل الجيش، وخلق فراغ في السلطة، فيما كان الإيرانيون مهيئين أكثر للاستفادة من هذا الوضع بفضل استعداداتهم في أثناء التحضير للغزو، فقاموا بدعم قوي وتيارات عراقية معارضة، وهكذا تمكنت إيران ليس فقط من تحييد العراق بل حتى من السيطرة عليه عبر أدواتها، معتبرة ما جرى نصرة على المستوى الإستراتيجي (1)

وفي خضم هذه التغييرات الجيوبولتيكية المهمة في المنطقة والقادمة من تدخل عسکري خارجي أطاح معادلات القوة فيها - أي الغزو الأميركي - جاء الرئيس (أحمدي نجاد إلى السلطة في إيران أغسطس 2005 م، وبدأت تتبلور لديه فكرة مشروع إقليمي إيراني مهيمن يمتد إلى الشمال من جزيرة العرب. فإسقاط صدام حسين) يفتح الباب واسعا أمام إيران للسيطرة ليس فقط على العراق، بل لفسح المجال أمام رؤية طموحة في طهران للهيمنة الإقليمية عبر شبكة تحالفات تسجت على امتداد عقود. أدى التحالف السوري - الإيراني دورا بالغ الأهمية في سياسة منطقة الشرق الأوسط والخليج منذ الثورة الإسلامية في إيران، إلا أن

(1) محمد صالح صدقيان، إيران والمتغيرات الجيوستراتيجية في الوطن العربي: وجهة نظر إيرانية، في: التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014) ، ص 604 - 605

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت