نفوسهم، حتى لم يَعُدْ عسيرًا على المسلم الصادق أن يتفرَّس في حركات الرجل وأعماله، وفلتات لسانه، وما يظهر على صفحات وجهه، فيدرك خطورة أمره، وسوء ما انطوت عليه نفسه.
وفي الحكمة: «ما أَسرَّ عبدٌ سريرةً إلا أبداها اللهُ على صفحاتِ وجهِهِ، وفَلَتاتِ لِسانِهِ» .
{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} .
كما يكمُن خطر النِّفاق في أنه قد يجمع معه الكفر: {كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} (آل عمران: 90) . وقد يجمع معه الفسق والظلم، والنِّفاق يجعل الأخ عدوًا والعدو صديقًا فهو عمى وضلال، وقد يدفع النِّفاق المرء إلى المادية فيشقى بماله وولده، والنِّفاق لا يخدم إلا مصالح الأعداء قبل مصلحة الدين والوطن.
والنِّفاق نوع من التمرد على الله ورسوله وكتابه، وهم يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة، وأوزار كل من افتُتِنَ بهم، وأُعجِب بحالهم، وسار في دربهم.
كما أن النِّفاق إفساد في الأرض، يخادعون به الله عز وجل والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم.
{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} .
ومما زاد من خطورة النِّفاق وخطر المنافقين ظهور الأئمة المضلين والعلماء الزائفين عن الحق، وأمراء الجور الذين يضعفون أركان الإسلام ويعطِّلونها باسم الإسلام.
عَنْ زِيَادِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فقَالَ لِي: [هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ يَهْدِمُهُ زَلَّةُ عَالِمٍ، أَوْ جِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَحُكْمُ الْمُضِلِّينَ] [1] .
قال الطيبي: «المراد بهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمسة، وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، باتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائفة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين، وإنما قدِّمت زلَّة العالم، لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين» [2] .
وما أكثرَ هؤلاءِ اليوم! أحسنوا زخرفة الألفاظ وأساءوا العمل، وتسلَّقوا منابر شتى، وأعملوا معول الهدم في دين الأمة، تارة باسم العقل، وتارة باسم الاعتدال، وتارة باسم التقدم وعدم الرجعية، وتارة باسم نبذ التطرف والإرهاب، وتارة باسم متطلبات العصر.
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية (4/ 196) والخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) (1/ 595) وإسناده صحيح.
(2) مرقاة المفاتيح (1/ 356) .