يسير كالسيل، فو الله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له، فانظروا لأنفسكم والسلام».
والذي ينظر إلى هذه الصيغة لا يفهم منها أنه قصد أذى المسلمين، وإنما هو إفشاء السرِّ لمصلحة رآها هو لأهله بمكة.
وقد أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليًّا والزبير والمقداد في تتبُّع المرأة التي معها كتاب حاطب إلى قريش، حتى وجدوها عند (روضة خاخ) ، فأخذوا منها الكتاب، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: {يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟} ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا، وَلاَ رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ صَدَقَكُمْ} ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، قَالَ: {إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ} [1] .
وفى هذا الحديث دليل على أن ما عمله حاطب من النِّفاق، فقد أقر النبيُّ صلى الله عليه وسلم قولَ عمرَ: [دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ] ، وفى رواية: «فقال عمر: [إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني أضرب عنقه] » فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل بدر دمعت عيناه رضي الله عنه، وقال: [الله ورسوله أعلم] .
ومن هذا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستنكر وصف عمر لهذا العمل بأنه نفاق، ولا حتى العقوبة التي أراد عمر أن يوقعها عليه وهي القتل، وإنما الذي شفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان من أهل بدر، وأبلى بلاءً حسنًا في هذه الغزوة المباركة.
(أ) قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) } (التوبة) .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهم قالَ: «هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ: ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَمِدُّوا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مَلَكِ الرُّومِ فَآتِيَ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْجِدِهِمْ أَتَوَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ
(1) أخرجه البخاري: ك: الجهاد والسير، ب: الجاسوس، ح (3007) ، ومسلم: ك: فضائل الصحابة، ب: فضائل أهل بدر، وقصة حاطب، ح (2494) .