المبحث الثاني عشر
طرق الوقاية من النِّفاق
النِّفاق الاعتقادي هو أعظم النِّفاق، ولا يُعلم إلا عن طريق الوحي، ولكن آثاره وأماراته تظهر على اللسان في الأقوال، وعلى الجوارح في الأفعال.
وقال ابن حزم رحمه الله:
«2203 - مَسْأَلَةٌ: مَنِ الْمُنَافِقِونَ، وَالْمُرْتَدِّونَ؟ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَرَفَ الْمُنَافِقِينَ، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ - وَوَاجَهَهُ رَجُلٌ بِالتَّجْوِيرِ، وَأَنَّهُ يُقَسِّمُ قِسْمَةً لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللهِ - وَهَذِهِ رِدَّةٌ صَحِيحَةٌ فَلَمْ يَقْتُلْهُ» [1] .
فالردَّة ليست إلا نفاقًا عقيديًّا من النوع الذي يأتي على العقيدة من جذورها ... نفاقًا لا يستقر معه بنيان لفكرة، ولا بناء لإيمان.
وقال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) } (النساء) .
وأما النِّفاق العملي فهو من أعظم ما يهدِّد المسلمين، وهو في محصِّلته يصُبُّ في بوتقة النِّفاق الاعتقادي الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ما لم تتداركه عناية الله بتوبة نصوح. كما سيأتي.
وتتمثَّل طرق الوقاية من النِّفاق فيما يلي:
1 ـ معرفة صفاتهم في الكتاب والسنة: (وقد ذكرنا معظمها بفضل الله تعالى في هذه الرسالة الموجزة) ، فإذا عَرَفْتَ آفات النفاق، وخصال المنافقين وخصالهم فعليك أن تتجنبها، وتبتعد عنها، فمن لم يعرف الشرَّ كاد أن يقع فيه.
2 ـ تجنُّب اتباع الهوى، والتعصُّب لغير الحق.
3 ـ الرغبة في الآخرة، والشوق إلى الجنة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) } (الكهف) .
4 ـ الإكثار من الاستغفار، والمسارعة إلى التوبة كلما أحدثت ذنبًا.
5 ـ اتهام النفس بالتقصير والنِّفاق حتى تجتهد في التخلص منه، ولا تركن إلى الأمن من مكر الله تعالى.
(1) المحلى بالآثار، للإمام محمد بن حزم (12/ 127) .